Skip to main content

ما تزال ليبيا في حالة ثبات ضمن مؤشر الفساد العالمي الصادر عن مؤسسة الشفافية الدولية، التي حصرها مؤشرها السنوي باهتمام بالغ منذ صدوره عام 1995، وهو مؤشر يرصد الفساد في القطاع الحكومي لـ180 دولة بناء على مصادر خارجية تصل إلى 13 مصدرا منها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد مؤتمره السنوي بمدينة دافوس السويسرية.

مؤسسة الشفافية العالمية مؤسسة غير حكومية، تصدر تقريرا سنويا حول الفساد في العالم، يبدأ مؤشرها التقييمي من 0 إلى 100، وكلما اقترب الرقم من الـ100 عنى اتجاها إيجابيا بمقياس الشفافية، في المقابل كلما اقترب الرقم من الـ0 دل ذلك على تمكن الفساد من تلك الدولة.

ومن الجيد إدراك أن المتوسط العام للـ180 دولة التي أحصاها المؤشر هو 43% أي أقل من النصف، وقد تصدرت قائمة الدول الأكثر شفافية الدنمارك وفنلندا ونيوزيلندا والنرويج وسنغافورة والسويد وسويسرا وهولندا، وجاءت الصومال في ذيل القائمة كأكثر دول العالم فسادا وأقل شفافية تليها سوريا وجنوب السودان وفنزويلا واليمن وليبيا وكوريا الشمالية وهايتي.. عربيا تصدرت الإمارات العربية المتحدة الدول الأكثر شفافية تليها قطر والسعودية.

ماذا يعني الفساد بحسب منظمة الشفافية العالمية ؟

تعرف المنظمة الفساد بكونه السلوك الممنهج من السياسيين الذي يعيق التقدم نحو الشفافية ويزيد تفاقم انتهاكات حقوق الإنسان، كما أن الفساد يحول دون الانتقال الديموقراطي، ويربط التقرير في نسخته من هذا العام بين الفساد والعنف، ما يغذي الفساد السياسي وحضوره بشكل لافت حسبما أوردته المنظمة.

ليبيا: 171 عالميا والرابعة الأخير عربيا

تحصلت ليبيا على 17 نقطة وفق مؤشر مدركات الفساد من أصل 100 نقطة، وجاء ترتيبها للعام 2022م 171 بين 180 دولة، وذلك في مقابل الترتيب 172 للعام 2021م و173 للعام 2020م، في إشارة إلى تحسن طفيف في الترتيب العالمي، ولكن ليس بالضرورة في مستوى الفساد. عربيا استمرت ليبيا ضمن أكثر المنتظم العربي فسادا، حيث حافظت على نفس المستوى خلال الأعوام الماضية، الرابع ما قبل الأخير يليها اليمن وسوريا والصومال.

أبرز مسببات الفساد في ليبيا 

يمكننا النظر إلى الفساد في ليبيا باعتباره أبرز تحدّ يواجه الليبيين وانتقالهم نحو العيش الكريم والتقدم نحو الأمن والاستقرار وتحسن الوضع المعيشي من النواحي الاقتصادية على الأقل، كما أن الفساد السياسي في ليبيا قد تحول  من الحالة العفوية والفوضوية إلى حالة أكثر تنظيما نتج عنها بروز دوائر من القوى المستفيدة والمنتفعة منه.

  • يمكننا اعتبار العامل الأول من عوامل  الفساد هو قصور التشريعات الليبية في مجابهتها الفسادَ المتفشي ومجابهته والتضييق عليه، وهو ما يمكن أن يرجع إلى ضعف العمل المؤسسي في البلاد، فبالرغم من تأسيس هيئة مكافحة الفساد عام 2014، فإنها من حيث الأداء والاختصاص ما تزال بعيدة عن دورها في الرقابة على أداء السلطات العليا التي تكون في العادة هي المسؤول الأول عن الفساد بناء على الإجراءات المتبعة من قبلها، ولعل ذلك يرجع إلى قانون تأسيس الهيئة الذي يركز دورها في الرقابة على الجرائم المالية بعيدا الفساد وتبعاته بشكل عام.
  • كما أن الانقسام السياسي لعب دورا مهما في تعطيل المؤسسات منذ عام 2014، فأصبحت المؤسسات التي ينبغي لها أن تقوم بدور فني خالص تميل إلى اللعبة السياسية والبقاء في السلطة، وتخضع هذه المؤسسات في كثير من الظروف  للمحاصصة السياسية ما يعطل من دورها وفاعليتها.
  • تساهم المجموعات المسلحة في شرق البلاد وغربها في تعزيز الفساد بدافع حماية مصالحها وما تحوزه من مكاسب عبر تخندقاتها السياسية وتحالفاتها مع الفاعلين في المشهد السياسي حفاظا على التدفقات المالية التي تمكن قادة هذه المجموعات من تعزيز نفوذهم وبقائهم في المشهد ولو على جبل من الفساد.
  • برغم الإجراءات التي اتبعتها النيابة العامة في ملاحقة من تورطوا في الفساد، فإن الأثر ما يزال محدودا، وذلك لضعف الجهاز الإداري وتمركز الصلاحيات المالية بيد الحكومة المسؤولة عن توفير الخدمات من ماء وكهرباء ورصف الطرق بل واستيراد الدواء والغذاء.

وبالرغم من كشف مؤسسات الدولة بين الحين والآخر عبر تقاريرها كتقرير ديوان المحاسبة السنوي وتقارير مصرف ليبيا المركزي أبرز البيانات المالية والإدارية، فإن الفساد في عدم تساوي الفرص في الحصول والانتفاع من المعلن عنه من اعتمادات مصرفية أو أعمال لصالح حكومة يتحصل عليها أربابها عبر التكليف المباشر وهو ما يُبنى غالبا على العلاقات الشخصية بعيدا عن الكفاءة والقدرات والعروض المناسبة.

كيف ينبغي أن يقرأ تقرير منظمة الشفافية الدولية في السياق الليبي؟

تبني منظمة الشفافية الدولية تقريرها على مصادر من عدة جهات وتتعامل في الغالب مع منظمات المجتمع المدني لإنجاز التقرير، تتفاعل المنظمة مع بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الدولية الموجودة في الساحة، إلا أن البيانات المتعلقة بليبيا محليا ودوليا ما تزال تعاني الشح، كما أن إفصاح الجهات الحكومية عن بياناتها يتم بصعوبة بالغة، لعدم وجود ثقافة الإشهار وأن الوصول إلى المعلومة يعتبر حقا من حقوق المواطنة وواجبا على السلطات توفيره، ولكن التقرير يبني تقييمه على إجراءات السلطات في ملفات تتعلق بحقوق الإنسان وحرية الصحافة وهو ملف يشهد تراجعا كبيرا في البلاد، كما أن ملف التحول الديموقراطي يعتبر إحدى الركائز التي يبني عليها التقرير من قبل المنظمة، وهو ما يشهد تلكؤا وتباطؤا من الجهات المعنية في الدولة خصوصا مجلسي الدولة والنواب اللذين يقبعان في السلطة منذ 10 سنوات تقريبا دون أي توجه حاسم نحو الانتخابات.

غير أن الفساد الإداري والمالي في البلاد تشهد عليه السلطات الليبية نفسها عبر مؤسساتها كديوان المحاسبة الذي يصدر تقريرا سنويا يرصد فيه التجاوزات والمخالفات الإدارية من قبل الجهات الحكومية، كما أن الأجسام الرقابية التابعة للسلطة التشريعية التي هي هيئة مكافحة الفساد وهيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة التي يتعرض موظفوها للاعتداء والتهديد دون حماية السلطات، ما يؤكد أن المبلغين عن الفساد هم بلا حماية ما يعني قوة وهيمنة الفساد.

خلاصة

يمكن اعتبار مؤشر مدركات الفساد وتقييمه لليبيا منطلقا من واقع البلاد السياسي وعدم الاستقرار وارتباط الحياة السياسية الليبية بالعنف وهيمنة المجموعات المسلحة في السنوات الماضية وهو ما عدته المنظمة مغذيا للفساد في البلاد وعاملا من عوامل تفشيه. إلا أن خيبة أمل كثير من الليبيين لا يمكن إخفاؤها  بعد أن انتشر الفساد وصارت البلاد في تصنيف الدول الأكثر فسادا في العالم، خصوصا أن الفساد كان بين أهم دوافع تحرك الليبيين لإسقاط النظام العام 2011م.