مقدمة
لم تكن انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة هذا العام حدثا عاديا مكررا، بل كانت ساحة تنافس كبير بين اتجاهات سياسية داخل المجلس باتت متناقضة، كما شهدت دخول طرف من خارج المجلس على خط الانتخابات، ليقع انعطاف حاد في مسار الأحداث بعد خسارة المشري مقعد رئاسة المجلس ليحل محله العضو محمد تكالة، الذي لم يكن له حضور سياسي بارز أو رؤية سياسية عبّر عنها سابقا خلال حراك سياسي داخل المجلس أو خارجه في حوارات ومناقشات.
إرهاصات التغيير ودوافعه
نجح خالد المشري في الاستمرار في شغل منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة لخمس دورات، ونجاح المشري ارتبط بشخصه، أي ما تمتع به من صفات، كما اقترن بتوجهه السياسي كونه محسوبا على تيار فبراير وله مواقفه المعلنة التي عبرت عن تيار الثورة ومطالبه وكذلك تصديه لمشروع العسكرة منذ العام 2019م.
وأسهم في انتخاب المشري لخمس دورات عدم تقدم مرشح مبرز لمنافسته على كرسي الرئاسة، فالمجلس يضم شخصيات لها باع في السياسة ولها توجهاتها التي لا تختلف عن توجهات المشري، لكنها آثرت الوقوف خلف المشري وعدم مزاحمته، فكان ذلك من بين أسباب فوزه المتكرر كل عام منذ 2018م.
غير أنه ومنذ مطلع العام الجاري سلك خالد المشري مسلكا جافى فيه كتلة عريضة من المجلس وانتهج أسلوبا خالف فيه المسار الديمقراطي والقانوني الذي تصدر له المجلس في تدافعه السياسي مع مجلس النواب. فقد عُرِف مجلس النواب بتهاونه في الالتزام بالمسار الديمقراطي وبمخالفته للضوابط المنظمة لعمل مجلس النواب، وكان الأعلى للدولة الصورة المخالفة لذلك التعدي على أسس العمل الديمقراطي والتنظيمي المنضبط، لكن وقعت رئاسة الأعلى للدولة خلال الأشهر الأخيرة فيما اعتبر تجاوزت خطرة اختصت بها رئاسة مجلس النواب، وهي المسائل المتعلقة بآلية إدارة جلسات المجلس وإصدار قوانينه وقراراته.
فقد أُخذ على المشري تمريره التعديل الدستوري الثالث عشر بالمخالفة للوائح إدارة الجلسات وإصدار السياسات و القرارات في المجلس، حتى أن تمرير خارطة الطريق وقع بعدد 34 عضوا فقط.
اضطراب في بلورة المسار السياسي
يأخذ خصوم رئيس المجلس الأعلى السابق، خالد المشري عليه أنه انحاز بسبب خلافه مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، إلى تفاهمات مع رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بعيدا عن موقف جماعي توافقي داخل المجلس الأعلى للدولة، فكانت النتائج مخرجات لا تأسس لمرحلة مستقرة بل تشوه الانتقال وتعطله، في إشارة إلى الثغرات في التعديل الدستوري الثالث عشر وقوانين الانتخابات وخارطة الطريق.
وقد ظهر أن تفاهمات المشري – عقيلة تركز على التغيير الحكومي وتقدمه على استكمال المسار السياسي المتعلق بقوانين الانتخابات، وكان هذا في مقدمة تحفظات المنتظم الدولي المعني بالقضية الليبية، البعثة الأممية ومجموعة 3 زائد 2.
الحكومة على خط التدافع داخل الأعلى للدولة
تصريحات المشري الحادة والمتكررة ضد الدبيبة كشفت عن كم كبير من العداوة، وقد بادل الدبيبة المشري العداوة ولكن بأسلوب مختلف، إذ لم يوجه الدبيبة اتهامات قوية مباشرة للمشري، لكنه بات متأكدا أن بقاء المشري على رأس المجلس الأعلى للدولة يهدد بقاءه على رأس الحكومة. ثبت أن الحكومة منعت عن أعضاء المجلس الأعلى للدولة مرتباتهم منذ أكتوبر الماضي، وفقد أعضاؤه بعض الميزات منها الجواز الدبلوماسي، ويرى مراقبون أن سلوك الحكومة تجاه المجلس كرد فعل على مواقف رئيسه منها كان له أثره على اتجاهات عدد من أعضاء المجلس في اختيار الرئيس الجديد في انتخابات السادس من أغسطس.
مصادر تحدثت عن دعم الحكومة، بشكل غير مباشر ولا معلن، للعضو عبد الله جوان لمنافسة المشري، لكن حوارات داخلية وحَّدت عددا من الكتل داخل المجلس لدعم مرشح له حظ أوفر للفوز، فتوافقت كتلة حزب التحالف وحزب العدالة والبناء وحزب جبهة الإنقاذ على دعم العضو محمد تكالة، ووافقتهم الحكومة في ذلك.
توجه الأعلى للدولة بعد تولي تكالة
تفكيك الأرقام التي ظهرت في انتخابات الأحد 6 أغسطس يشوبها بعض التعقيد والغموض، فهي من جهة تدلل على أن فوز تكالة بـ67 صوتا تعني أن الخيار السياسي للمشري الذي تفاهم فيه مع عقيلة صالح لا يشكل رأي الأغلبية داخل المجلس، لكن الرقم لا يعني الرفض القاطع من قبل الكتلة التي صوتت لتكالة لما اختاره المشري من مقاربة سياسية خلال الأشهر الست الماضية، فالعامل الاقتصادي أو المصلحي له أثره وإن كان محدودا، بمعنى أن هناك عددا من الأعضاء انحازوا لمصلحتهم الشخصية معتقدين أن تغييرا إيجابا سيقع بفوز تكالة، وأن المشري لم يعد قادرا على معالجة المشاكل المالية للأعضاء كما كان يفعل خلال السنوات الماضية.
بالمقابل، فإن حلف “التحالف، العدالة، الجبهة، الحكومة” لا يمكن أن يستهان به، وبالقطع كان له أثره في خسارة المشري وفوز تكالة، وسيكون له أثره في المرحلة القادمة من العمل السياسي داخل الأعلى للدولة.
تكالة ليس صاحب مشروع أو رؤية مستقلة ومتكاملة كما أكد مراقبون، وبالتالي فإنه سيبلور خياراته لاحقا ولكن في ظل تركيبة سياسية معقدة ومناخ سياسي ملبد، فالكتلة التي عارضت المشري خلال تدافع التعديل الدستوري ولجنة 6 زائد 6 وخارطة الطريق ستكون حاضرة في تحديد خيارات تكالة، كما ستكون الحكومة أيضا حاضرة، ولأن البعثة وسفراء الدول المؤثرة في النزاع الليبي تحفظت على مسار المشري – عقيلة، فستكون هي أيضا مساهمة في بلورة رؤية تكالة ونهجه السياسي، الذي من المتوقع أن تكون أهم ملامحه ومرتكزاته ما يلي:
- مراجعة المسار السياسي خاصة قوانين الانتخابات لمعالجة النقاط الجدلية فيها.
- استبعاد خيار التغيير الحكومي من التفاوض إلى أن يتم التوافق على قوانين الانتخابات وباقي متطلبات إجراء الانتخابات.
وهذا يعني تغييرا في خارطة الطريق التي أعلنت الرئاسة السابقة للمجلس الأعلى للدولة تمريرَها، وهو ما لا يمكن قبوله من مجلس النواب، لذا فإن المسار السياسي التفاوضي بين المجلسين سيشهد تعثرا وجمودا قد يكون بمثابة فسحة لتطوير خيارات بديلة.
سيناريوهات
- البعثة التي تحفظت بشدة على المسار السياسي للمجلسين ومخرجاته قد تجد في التغيير الذي وقع في رئاسة المجلس الأعلى للدولة وردة الفعل من مجلس النواب، قد تجد فيها سانحةً لطرح مسار سياسي بديل، وكان باتيلي قد تحدث في السابق عن اللجنة رفيعة المستوى للتوافق على متطلبات الانتخابيات.
- قد تشهد الساحة السياسية عودة للتقارب بين حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش التابعة لمجلس النواب، خاصة بعد فشل رهان القيادة على التغيير في حكومة الوحدة الوطنية بإقرار خارطة الطريق الجديدة.
- فشل الرئاسة الجديدة للمجلس الأعلى للدولة في تقديم بديل لتجاوز المأزق السياسي الراهن قد يخلط الأوراق من جديد داخل جبهة الغرب الليبي ويدفع إلى موجة عنف يكون لها ما بعدها في رسم ملامح المشهد السياسي.



