مقدمة
لم ينقض عام على الاشتباكات العنيفة التي شهدتها العاصمة الليبية والتي وقعت بين أنصار حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة ومؤيدي الحكومة الليبية بقيادة فتحي باشاغا حتى اندلعت أخرى مشابهة بل ربما أعنف بين اللواء 444 وجهاز الردع، وذلك على خلفية اعتقال رئيس اللواء محمود حمزة من قبل جهاز الردع دون إبداء أسباب رسميا، فقد تعددت التفسيرات ولم يتم التأكد من صحة نسبة البيان الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي إلى جهاز الردع، ويقول البيان إن الجهاز اعتقل محمود حمزة تنفيذا لأمر النائب العام العسكري، كما لم تؤكد الجهات المعنية ما نشره موقع أخبار ليبيا بخصوص أسباب اعتقال محمود حمزة.
حيثيات الاعتقال
وقع اعتقال آمر لواء 444 في مطار امعيتيقة وهو متجه بصحبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية إلى مدينة مصراتة للمشاركة في احتفال تخريج دفعة عسكرية تابعة لرئاسة أركان الجيش في المنطقة الغربية، حيث أقدمت مجموعة تابعة لجهاز الردع على اعتقاله برغم احتجاج رئيس الحكومة، وتم التحفظ عليه داخل مطار امعيتيقة الذي هو المقر الرئيسي لجهاز الردع، ثم نقله إلى جهة أمنية أخرى بعد الضغوط التي واجهها الردع.
هذا التصرف أغضب رئيس الحكومة ومجاميع عريضة رأت فيما وقع من الردع تجاوزا للحدود المقبولة وانحراف عن خطه المتزن والداعم لمؤسسات الدولة ومسؤوليها في ضبط الأمن وإنفاذ القانون، فمعلوم الدور الذي يلعبه جهاز الردع في مساندة النائب العام في قراراته ودوره في محاربة الجريمة ودعم سياسات بسط نفوذ الدولة من خلال التصدي للمخالفات والتعدي على الأملاك العامة والخاصة.
أسباب اعتقال محمود حمزة
ورد عن شبكة أخبار ليبيا أن أسباب اعتقال محمود حمزة تعود إلى مخالفات وخروقات وقع فيها اللواء 444 منها الهجوم على منزل آمر المنطقة العسكرية طرابلس عبدالباسط مروان، وما وقع من مواجهات أثناء محاولة عناصر اللواء القبض على ضباط، وتجاوزات إدارية واتهامات بفساد، وهذا ما يفسر موقف المجلس الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي لم يتحفظ على ما وقع وأمر بإحالة حمزة إلى جهات تحقيق ونقل سجنه إلى جهة محايدة في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
ردود مراقبين وبعض المسؤولين على قائمة الاتهامات التي أوردها موقع شبكة أخبار ليبيا هي أن الاختصاص لتوجيه التهم وتنفيذ الضبط والإحضار يكون لجهة ضبطية عسكرية وليس جهاز أمني مختص بمكافحة الجريمة، وتسأل عضو المجلس الأعلى للدولة، صالح جعودة، عن مبرر علم جهاز الردع بهذه الوقائع وبقرار الاعتقال وتنفيذه قبل أن يعلمه رئيس المجلس الرئاسي ووزير الدفاع الذي هو رئيس الحكومة ورئيس الأركان ويشرفوا على تنفيذه، باعتبار أن المعتقل ضابط في الجيش، الأمر الذي فتح الباب للتكهنات.
تعددت تفسيرات دواعي إقدام جهاز الردع على احتجاز محمود حمزة حيث اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التلفزيونية بتكهنات منها ما هو مقبول ومنها ما هو بعيد الاحتمال، وما فتح الباب على مصرعيه للتكهنات هو أن الجهاز أو جهة مسؤولة أخرى لم تعلن عن مبررات الاعتقال ومسوغ تكليف الجهاز الردع به برغم عدم اختصاصه.
بعض التكهنات ذهبت إلى أن محمود حمزة متورط في انقلاب بمشاركة قوات مؤيدة لفتحي باشاغا يقودها اللواء أسامة الجويلي، غير أن هذا التبرير لم يلق رواجا بين المراقبين. وبعضها الآخر رأى أن محركا خارجيا كان وراء اعتقال محمود حمزة، وحسب هذا التفسير، فإن النجاح الذي حققه حمزة في تأسيس لواء عسكري على درجة من الانضباط ويخضع للتراتبية العسكرية ويلعب دورا في التحكم في الانفلاتات الأمنية التي تقع في طرابلس وبعض المدن القريبة منها، شكل قلقا لأجندات خارجية لا يروقها هذا الاتجاه المؤسساتي.
أيضا تحدثت بعض المصادر عن ضلوع أمريكي في الموضوع وأن محمود حمزة خضع للتحقيق من قبل عناصر تتبع الـ CIA بخصوص صلته بقوة فاغنر الروسية وذلك على خلفية ضم الـ 444 لعناصر من اللواء التاسع والذين كانوا مؤيدين لخليفة حفتر في هجومه على طرابلس وكان لهم احتكاكا بفاغنر وحديث عن اتصالات بينهم، غير أن مصادر أخرى نفت هذا الربط وأكدت أن الوفد الأمريكي حضر لاستكمال تحقيقات قضية لوكربي ولا علاقة لهم باعتقال حمزة.
أغلب التحليلات أتجهت إلى فرضية صراع النفوذ بين الأقطاب الكبرى في الغرب الليبي بالعموم، وفي العاصمة بشكل أخص، فمنذ العام 2012م والمشهد العسكري والأمني في الغرب الليبي يشهد تطورات وتحولات تدور حول التدافع بين المجموعات المسلحة وكيفية تعزيز نفوذها على حساب بعضها البعض، وشهدت العاصمة محطات وقعت فيها تبدلات كبيرة في الخارطة العسكرية والأمنية، أهم تلك المحطات كانت مواجهات العام 2018م التي بدأت بهجوم شنه ما عرف باللواء التاسع وسانده بعض المسلحين الذين ينتسبون إلى مدينة مصراتة بحجة القضاء على الفساد الذي وقعت فيه كتائب في العاصمة، فقد دخلت على خط الصراع البعثة الأممية مسنودة بموقف غربي قوي وتم ترتيب الوضع الأمني لصالح عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من الكتائب والأجهزة، ثم جاءت محطة العام 2022م التي شهدت مواجهات مسلحة انتهت إلى إخراج كتيبة ثوار طرابلس وكتيبة النواصي من خارطة النفوذ في العاصمة ليتبقى جهاز الردع الذي توسع كثيرا خلال هذه الفترة، وجهاز دعم الاستقرار الذي تمدد هو الآخر جغرافيا، مع حضور لعدد من القوى الأخرى من بينها اللواء 444 واللواء 111 وجهاز مواجهة الإرهاب وبعض القوات التي تنتسب إلى مدن مصراتة والزاوية والزنتان ولكنها لا تتموقع داخل طرابلس الصغرى.
اللواء 444 تمدد في محيط طرابلس وخارجها بتوسع، إلا أنه توسع في عدد عناصره وتدريبه وتسليحه، وله نقاط تماس عديدة بينه وبين جهاز الردع كانت كالشرارة لتسريع سباق النفوذ وحتى المواجهات والصدام التي تكررت خلال العامين الماضيين.
هناك اتجاه آخر في تفسير ما وقع ينحو منحنى مختلف ويتأسس على جذور العلاقة بين جهاز الردع واللواء 444 وقيادتهما، فمحمود حمزة كان من كوادر جهاز الردع وخرج من رحمه وكان يتبنى الأساس الفكري والأيديولوجي نفسه، ويبدو أنه لم يستقل تنظيميا فحسب بل ابتعد فكريا، وصار اللواء الذي يرأسه أكثر قوة وتنظيميا من الجهاز الأم فكان هذا من أسباب الخلاف ومحركات الاعتقال.
تداعيات اعتقال محمود حمزة
ما إن وصل نبأ توقيف حمزة في مطار امعيتيقة من قبل الردع حتى تحركت مفارز من اللواء 444 وهاجمت مواقع عدة لجهاز الردع في المناطق التي يقع فيها تماس أو قرب بين القوتين وذلك في جنوب العاصمة، في عين زارة بامتدادها الواسع وحي صلاح الدين وحي الفرناج والسبعة لتتجه المواجهات شمالا صوب مطار امعيتيقة، وبرغم توقف الاشتباكات إلا إن التحشيد مستمر من الطرفين.
الاشتباكات كانت عنيفة وخلفت عددا كبيرا بين قتيل وجريح أغلبهم تابعون لجهاز الردع، ولكن ليس من عناصره الأساسيين، و تسببت مشاهد صورها وبثها عناصر من اللواء لأسرى وجرحى من الطرف الآخر في ردود فعل غاضبة.
ويمكن القول إن الجهاز خسر العديد من مواقعه وسط العاصمة وجنوبها، سواء التي كانت له منذ سنوات أو تلك التي وضع يده عليها بعد نجاحه في إخراج كتيبة ثوار طرابلس وكتيبة النواصي من مواقعها العديدة في العاصمة العام الماضي.
على صعيد آخر لا يتعلق بتأثير الأزمة الحالية على تموقع ونفوذ الردع واللواء، فقد شكلت هذه الأزمة تحديا أمام حكومة الوحدة ورئيسها وأكدت حقيقة أن رئيس الحكومة ليس رأس هرم السلطة الفعلية في العاصمة ومدن الغرب، وبالتالي سيجد ادبيبة نفسه وحكومته أمام خيارين أولهما أن يقبل بهذا المعطى ويواجه تحديات مشابهة ستكون على حساب ما حققه ويحققه من مكاسب، أو أن يدفعه ذلك إلى مقاربة فرض سلطته من خلال توظيف هذه الأزمة، وهي مقاربة لها فرص نجاح كما أنها محفوفة بالمخاطر.
سيناريوهات
محرك تعظيم النفوذ حاكم في الظروف التي تعكس الوضع العسكري والأمني في العاصمة، ومن ثم فإن سيناريو الصراع سيظل حاضرا، وقد توقعت تحليلات عديدة أن تقع مواجهات بين جهاز الردع وجهاز دعم الاستقرار باعتبار أنهما نافذان وسط طرابلس وهناك أسباب تدفع باتجاه أن يقع صدام بينهما، لكن هذا لم يحدث وكان الصدام بين الردع واللواء 444.
المواجهات التي وقعت بين الردع واللواء والتي كانها آخرها في وسط العاصمة منذ أشهر قليلة تشير إلى أن الخلاف بينهما مستحكم، وتحدثت مصادر عدة عن نزاع حول خارطة النفوذ والسلطة في العاصمة كان مراكزها دوائر عدة منها الخلاف حول التقسيمة الإدارية للنواحي الأربعة والدمج والتبعية بين البلديات هناك، حيث كان موقف القوتين متضادا بالخصوص.
ويعتقد جل المراقبين بأن ما أقدم عليه جهاز الردع من اعتقال آمر اللواء 444 دق أسفينا من الحجم الكبير جدا بينهما لن يحتوي أثره مساعي وقف المواجهات الحالية بينهما وحتى الإفراج عن أمر اللواء، وسيكون محركا لتدافع يهدأ ليعود للانفجار لاحقا.
بالمقابل، فإن عوامل أخرى ضاغطة يمكن أن تحول بين الاتجاه إلى معركة كسر العظم بين اللواء والجهاز، منها انتساب قادتهما إلى المنطقة نفسها وحرص التجمع السكاني في سوق الجمعة ومن يمثله من حكماء وأعيان على عدم استمرار هذا السيناريو العدمي وضرورة بقاء الجسمين حاضرين ونافذين.
سيعتمد تقوية هذا السيناريو وتغليبه على مقاربة التسوية الحالية، وإذا ما تم الإفراج عن محمود حمزة وقبل اللواء تسليم كل المواقع التي انتزعها من الردع واعتبر أن الإفراج عن آمره كافٍ لعودة الأمور إلى نصابها، إلا أن تعزيز هذا السيناريو يتطلب أكثر من مجرد احتواء آثار المواجهات التي وقعت خلال اليومين الماضيين، وهذا في حد ذاته يشكل تحديا كبيرا.



