Skip to main content

أعلنت البعثة الأممية منذ ثلاثة أشهر عن مسار جديد عبر خارطة طريق لعملية سياسية قائمة على مرتكزات ثلاثة:

المرتكز الأول: متعلق بتنظيم مفوضية الانتخابات، واعتماد إطار انتخابي فني سليم قابل للتنفيذ سياسياً؛ لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. 

 المرتكز الثاني: توحيد مؤسسات الدولة من خلال حكومة موحدة.

 المرتكز الثالث: حوار مهيكل يتناول قضايا الحوكمة، الاقتصاد، الاستقرار الأمني، حقوق الانسان والمصالحة، على أن يُتّبع التدرٌج الضروري بالنسبة للمرتكزان الأول والثاني، بالتوازي مع المرتكز الثالث. حددت البعثة مدة 12 شهرا الى 18 شهرا للانتهاء من خارطة الطريق المفضية لإجراء الانتخابات، وحددت مدة شهرين، اعتباراً من تاريخ 2025/8/21 لإنجاز المرتكز الأول، الذي تأخر إنجازه، لتعلن نهاية شهر اكتوبر الماضي، عن إطلاق الترتيبات اللازمة لإطلاق الحوار المهيكل، المتوقع انعقاده حال عدم حدوث طارئ، أوائل شهر 12ديسمبر، مدته تستغرق ما بين أربعة (4) أشهر إلى ستة (6) أشهر.

  • مفهوم الحوار المهيكل اصطلاحاً، خصائصه، أطرافه

أغلب التعريفات التي تناولت تبيان المقصود بالحوار المهيكل، لم تخرج عن كونه أسلوبا حواريا تواصليا؛ يعتمد على ترتيب مسبق لمحاوره، ويتم تنظيمه بطريقة منهجية واضحة، بحيث يستند على قواعد وخطوات محددة؛ للوصول إلى هدف أو نتائج معينة …

من خصائصه -التحديد المسبق للأهداف أو النتائج -تعيين محاوره مسبقاً -وجود ميسٌر -وضع قواعد تنظٌم إدارة الحوار –التدرج-نقاش –فتقييم-فاتخاذ قرار.

أما أطرافه فعادةً ما يكونوا أفرادا أو ممثلين عن جهات، لكل منهم دور محدد، يساهم به لتحقيق هدف الحوار.

ما هو حوار البعثة المهيكل الذي جعلته البعثة مرتكزا من مرتكزات خارطتها؟

أوضحت البعثة عبر صفحتها الرسمية، أن الحوار المهيكل ليس هيئة صناعة قرار، بل منتدى تشاوري موسّع؛ للمشاركة في العملية السياسية، وذلك بتوفير منصة لمختلف مكونات المجتمع الليبي، يساهمون في صياغة توصيات سياسات عامة حول رؤية مشتركة؛ لمعالجة مسببات الصراع طويلة الأمد، بهدف تعزيز التوافق حول قضايا أساسية، حددتها بأربعة مجالات:( الحوكمة، الاقتصاد، الاستقرار الأمني، المصالحة و حقوق الإنسان) عالقة من العملية السياسية السابقة ( إشارة إلى مخرجات ، برلين ، جنيف ، تونس )؛ لاقتراح معالجة لها بحلول عملية، تُرفع مخرجاتها بآليات تضمن تنفيذها إلى المؤسسات الوطنية المعنية، و أوضحت أن المشاركين بالحوار المهيكل نحو 120 عضوا يمثلون البلديات: الأحزاب ، المؤسسات الفنية و الأمنية ، الجامعات ، مكونات مجتمعية مختلفة، تعكس التنوع الجغرافي و الثقافي و المهني، على أن تكون نسبة مشاركة النساء 35% ،مع ضمان تمثيل للشباب و ذوي الإعاقة، و حددت معايير المشاركة بالخبرة أو المعرفة، على الأقل بأحد المجالات الأربعة.

خارطة البعثة بما فيها الحوار المهيكل مسار جديد أم استمرار لمخرجات برلين جنيف تونس

من المفيد توضيح أن البعثة لا يمكنها بأي حال مخالفة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالعملية السياسية، التي أساسها اتفاق الصخيرات ومخرجات مؤتمر برلين، الذي أسس للحوار السياسي الليبي -تونس جنيف-في أكتوبر 2020 / مارس 2021، الذي أنتج أربعة مسارات (سياسي بشقيه تنفيذي حكومة، ومجلس رئاسي منفصل عنها، تشريعي متعلق بقوانين انتخابات 24 ديسمبر 2021) (أمني لجنة 5+5)، (اقتصادي)، (ملف المصالحة وحقوق الإنسان).

 لا يخفى على أي متابع للشأن الليبي أن المسارات  الأربعة، إلى يوم إعلان البعثة عن خارطة طريقها 21 اغسطس 2024، لم تحقق أي تقدم نحو حلحلت الأزمة الليبية، فقوانين الانتخابات و عجز المجلسين عن التوافق حولها لمدة خمس سنوات، و الحكومة التي أنتجها الحوار السياسي الليبي جنيف – تونس، نزع مجلس النواب منها الثقة، بل شكّل حكومة توازيها، أما المسار الاقتصادي برعاية البعثة فقد  فشل في تحسين أداء الاقتصاد الليبي، كما أن المسار الأمني ( لجنة 5+5 ) لم يحقق أي تقدم لتوحيد المؤسسة العسكرية، وكذلك مسار المصالحة الوطنية، الذي اختص المجلس الرئاسي بملفها  معطّل ، و لكون البعثة وسيط و داعم و مشجع   لأطراف الصراع للانخراط بعملية سياسية، فكان من المتوقع أن تطرح خارطة طريق،  إلا أن خارطة البعثة الحالية بمرتكزاتها الثلاثة لم تأت بجديد، باعتبار  كونها نسخة مطورة لمسارات برلين ،  فمسار برلين السياسي بشقيه: قوانين الانتخابات، و تشكيل حكومة، إعادة الخارطة صياغته ضمن مرتكزين مفصولين تماماً عن قضايا الحوار المهيكل، وفق مقتضيات اتفاق الصخيرات السياسي، الذي حصر التوافق على قوانين الانتخابات، و تشكيل الحكومة بالمجلسين، الأمر الذي اعتبره مراقبون للشأن الليبي ترضية لأطراف الصراع،  فلا انتخابات بدون حكومة و لا حكومة بدون قوانين انتخابات سليمة، قابلة للتنفيذ، ومتوافق عليها. أحالت خارطة البعثة  باقي مسارات برلين: ( الاقتصادي ، الأمني ، المصالحة و حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الحوكمة ) إلى الحوار المهيكل الغير ملزمة نتائجه؛ و بذلك تتيح البعثة لكثير من القوى المجتمعية السياسية و الأمنية، المشاركة في الحوار السياسي، الذي من شأنه استيعاب حجم الانتقاد لها، الذي وصل إلى حد التظاهر أمام مقرها و مطالبتها بالرحيل؛ لاتهامها بتمطيط الأزمة و حصر حلها بالمجلسين، و تعمّد عدم إشراكها بالعملية السياسية، و لعل ما سرّبته مصادر مقربة من البعثة، من أن أعداد طلبات المشاركة بالحوار المهيكل تجاوزت 3000 طلب، هذه الأعداد  تشي  بأن البعثة ستكون بمأمن من الانتقاد اللاذع، إلا من بعض الأطراف التي ليست على وفاق مع البعثة سابقاً، أو بعد طرحها للخارطة، و تتيح  للبعثة أيضا جرعة من الحيوية المطلوبة؛ لاستمرار التفاعل المحلي مع الخارطة، بالرغم من انقضاء مدة الشهرين الممنوحة للمجلسين، فخلاف المجلسين حول إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، أو استكمال شواغرها لازال قائماً، و اللجنة  المختصة بإعداد قوانين الانتخابات لم تتوصل إلى توافقات بعد .

عراقيل داخلية تواجه الخارطة، فهل تنجح البعثة في إطلاق الحوار المهيكل في موعده ؟

  الترحيب الذي أعلنته أطراف الصراع ساعة الإعلان عن خارطة الطريق؛ مرده إلى اعتقاد كل طرف بأن طلبه قد تضمنته الخارطة، و سبب ترحيب رئيس الحكومة بالخارطة؛ يعود إلى اعتقاده أنها  تجاوبت مع مطلبه، المتمثل في عدم تسليم السلطة إلا لحكومة تُعيّن من سلطة تشريعية منتخبة ، غير أن ذلك الترحيب المبكر لم يُزل العراقيل من أمام تنفيذ خارطة البعثة، فعدا عن تأخر موعد إنجاز المرتكز الأول للولوج إلى فتح ملف توحيد الحكومة، بدأت تظهر إشارات من سلطة الأمر الواقع بالمنطقة الشرقية، قادها خليفة حفتر عبر لقاءات مجتمعية، تدعو بشكل غير رسمي وغير معلن إلى رفض خارطة البعثة، و ذلك بدعوته لحراك شعبي يشمل كافة جغرافيا البلاد؛ يهدف إلى رفض الحلول الخارجية، طالباً من الشعب قول كلمته و تحديد مصيره، و لعل تكرار ذهاب وفود من المنطقة الغربية اعتبره بعض المتابعين مدعاة لخلق أزمة مجتمعية؛ تهدد استقرار المنطقة الغربية، وتأثر على المضي في تنفيذ خارطة الطريق، خصوصاً بعد صدور بيانات تتهم من ذهبوا لحفتر بالخيانة ، ناهيك عن تعبير الحكومة المكلفة من مجلس النواب عن موقف واضح برفض تصرفات البعثة  عبر البيان الصادر عنها، و الذي أدانت من خلاله توقيع البعثة و قطر اتفاقا لتمويل وصفته في بيانها ( ما يسمى بالحوار السياسي المهيكل)، بالإضافة لاتهام البعثة بالالتفاف على المبادرات الوطنية ( إشارة إلى لقاءات حفتر بالوفود، و طلبه منهم اتخاذ مواقف تجاه الحلول الخارجية )، معتبرةً خارطة البعثة إحياء لمسارات سياسية مرفوضة.  هذا الموقف الرافض ما كانت لتتخذه حكومة البرلمان دون موافقة سلطة أمر الواقع شرقاً، مثل هكذا مواقف إن تفاقمت أو استمرت بنفس الوتيرة، دون أن تفككها البعثة بالتفاهم مع سلطات المنطقة الشرقية، فإن احتمالية عدم مشاركة ممثلين عن المنطقة الشرقية ستكون واردة؛ ما يفقد الحوار المهيكل تمثيلا جغرافيا مهما، بالتالي يصبح تأجيل إطلاق محاور المهيكل، قرارا متوقع الصدور عن البعثة.

ختاماً

الحوار المهيكل في حال استطاعت البعثة إطلاقه، سيستغرق أكثر من المدة المحددة له؛ لكثرة أعضائه و تعدد قضاياه المعقدة، فبمقارنته باللجنة الاستشارية ذات العدد القليل، و المختصة بنزع العراقيل المانعة لتنفيذ قوانين لجنة 6+6، أعلنت البعثة أن مدة أعمالها قصيرة،  و الواقع أن اللجنة استغرقت ستة ( 6 ) أشهر منذ الإعلان عنها إلى تسليم مخرجاتها، المتمثلة في أربعة  خيارات، نتيجة الخلافات بين أعضائها القلائل ، بالإضافة إلى أن خارطة البعثة بكامل مرتكزاتها، و طول مدة حواراتها، قد تتأثر بالمتغيرات في الشرق الأوسط الناتجة عن حرب غزة، و بأزمة النزاع المسلح بالسودان، فالحلفاء المتدخلون في الأزمة الليبية، تحولوا إلى خصماء في الأزمة السودانية؛ مما أتاح بروز تحالفات لدول إقليمية  كانت سببا لاستمرار الأزمة الليبية، فمتوقع لمثل هكذا تحالفات أن تنعكس على الأزمة الليبية، بما في ذلك خارطة طريق البعثة.