Skip to main content

مقدمة

تعد مسألة المشاركة السياسية للشباب في ليبيا احدى أهم القضايا التي تشغل الرأي العام وتحظى بأهمية خاصة في ظل التحولات والتحديات السياسية التي تشهدها البلاد منذ التغيير الذي شهدته خلال عام 2011، ويعود ذلك جزئياً للدور الذي لعبه الشباب في ذلك التغيير، بالإضافة إلى الأهمية الديموغرافية التي تحظى بها شريحة الشباب وذلك لتمثيلهم نسبة تتجاوز ال50% في بعض الإحصائيات.

يهدف هذا التقرير إلى رصد وتحليل المشاركة السياسية للشباب في ليبيا، مع التركيز على العوامل المؤثرة والتحديات التي تواجهها هذه الشريحة في ممارسة حقوقها السياسية والمساهمة في عملية صنع القرار.

وقبل الغوص في الموضوع يجدر بنا توضيح المصطلحين الرئيسيين اللذان يعتبران محور التقرير وهما “الشباب” و”المشاركة السياسية”.

الشباب: والمقصود بهم الذكور والإناث الذين يقعون في الفئة العمرية بين الثامنة عشر سنة إلى الرابعة والثلاثين وفقاً لجامعة الدول العربية.

المشاركة السياسية: المشاركة السياسية هي نشاط سياسي يرمز إلى مساهمة المواطنين ودورهم في إطار النظام السياسي.

الاتجاهات السياسية للشباب

نظراً لندرة الدراسات عن التوجهات السياسية للشباب الليبي يصعب على الباحث في الموضوع طرح وجهة نظر شاملة بالخصوص ولكن سنحاول وضع بعض التصورات على أساس ما هو متوفر من دراسات بهذا الصدد بالإضافة إلى الاستناد إلى الموقف العام اللذي يمكن استنتاجه من خلال متابعة الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي.

يجدر في البداية الإشارة إلى حالة إنعدام الثقة المتبادلة بين الشباب الليبي والأجسام السياسية المتصدرة للمشهد منذ إندلاع الثورة وربما قبلها، والتي ادت بشكل أو بآخر إلى عدم تطلع شريحة واسعة من الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن الممكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب اهمها حالة الإنسداد السياسي، والفساد الحكومي، بالإضافة إلى موجات العنف المتكررة، ما يجعل من الإسهام في العملية السياسية أمراً يتطلب جهداً وتضحيات أكبر مما يمكن للشاب تقديمه، وهنا يمكن تصنيف حالة عدم الأمل السياسي كتوجه في حد ذاته.

ومع ذلك وللحصول على نظرة أكثر شمولية يمكن الرجوع إلى نتائج الدراسة المعنونة: (الاتجاهات السياسية للشباب في ليبيا…دراسة على عينة من الشباب الجامعي) لكل من: د. الفيتوري صالح السطي و د. محمد هدية درياق، والتي تضمنت نتائج مهمة نقتبس منها ما يلي:

”يمكن الاجابة على تساؤلات البحث بتحديد مستوى وطبيعة الاتجاهات السياسية من نتائج التحليل التي تم عرضها سابقاً لدى الشباب الليبي، حيث تبين وقوعها بين مستويين، المتوسط والمرتفع، كما يلي:

الاتجاهات المرتفعة: ضم هذا المستوى التوجه نحو الديمقراطية والسلطة، والاتجاهات نحو طرق التعبير والمعارضة السياسية، واتجاهات نحو المواطنة والانتماء، والاتجاه نحو التعصب والفاعلية السياسية.

الاتجاهات المتوسطة: يضم هذا الجانب اتجاه ألافراد نحو أنفسهم والثقة بالذات، والاتجاه نحو القانون وتقبل أصحاب الافكار المعارضة، بينما بينت النتائج أن الاتجاهات نحو مؤسسات الدولة، والمشاركة السياسية هي أضعف الاتجاهات، ويرجع ذلك لحداثة السير على نهج الديمقراطية بالشكل الحالي، وتبين من تحليل تأثير المتغيرات المستقلة على المؤشرات أن الذكور أكثر قبولاً من الإناث وهذا يبين صحة الافتراض الاول، كما تبين خطأ الافتراض الثاني (الذكور أكثر تعصب وتشدد.(

 حيث بينت النتائج مدى الانفتاح لدى الشباب وابتعادهم عن التعصب والتشدد، كما اظهرت نتائج التحليل أن أصحاب الدخول المتوسطة أكثر قبولاً للاتجاهات السياسية من أصحاب الدخول الضعيفة والمرتفعة، ويرجع ذلك لأن الاتجاهات السياسية لا تشكل أولويةً في اهتماماتهم، ويكون السعي للرزق ولقمة العيش في المقام الاول، بينما يكون الاهتمام المهني والحرفي حسب تخصص أصحاب الدخول المرتفعة. كما أظهرت النتائج أن سكان مراكز المحافظات أكثر تقبلاً للاتجاهات السياسية وتقل النسبة كلما اتجهنا نحو للدواخل، أي أن هناك علاقة طردية بين ازدحام السكان وقبول الاتجاهات السياسية فكلما زاد الازدحام السكاني زاد تقبل الاتجاهات، وهذا يرجع للإمكانيات التي تسهم في بناء وتكوين الاتجاهات المتوفرة في مركز المدن بشكل أكبرمن بقية الأماكن>”

المشاركة السياسية للشباب في الأطر الرسمية

تؤثر التوجهات السياسية للشباب بشكل عام على دورهم في الإطار الرسمي، فالعوامل ذاتها التي تجعلهم مبتعدين عن الانخراط في السياسية تحد من أدوارهم عندما يحصلون على فرصة للعمل داخل الإطار الرسمي، فالبيئة المعقدة والجامدة داخل مؤسسات الدولة الليبية تجعل من المبادرات الإبداعية التي يحاول الشباب قيادتها تشكل خروجاً عن المألوف ما يجعلها عرضةً للإجهاض منذ إنطلاقها.

ونجد ذلك جلياً في الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي الأخير، فقد ادعت الأجسام السياسية المتمثلة في المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية توجهها نحو توظيف عدد أكبر من الشباب في كوادرها، ولكن نجد في الواقع أن الأدوار التي منحت لهؤلاء الشباب لا تتجاوز دور متحدثين باسم المؤسسات في أفضل الحالات ومجرد موظفين محدودي الصلاحيات.

وهنا يجدر الإشارة أيضاً إلى العلاقة المختلة بين الشباب المنخرطين في العمل المؤسساتي وأقرانهم من باقي فئات وطبقات المجتمع، فالنظرة العامة لهؤلاء الشباب هي أنهم منتفعين من النظام السياسي القائم ما يجعل قدرتهم على التأثير على باقي الشباب أيضاً محدودة للغاية.

أما بالنسبة للمؤسسات الرسمية التشريعية مثل مجلسي النواب والدولة فإن دور الشباب أقل مما سبق ذكره، ويعود ذلك لعدة أسباب من بينها المدة الزمنية الطويلة منذ إقامة آخر انتخابات برلمانية في البلاد ما جعل حتى من كانوا شبابً في هذه المجالس يتجاوزون هذه المرحلة، بالإضافة إلى عدم قدرة الشباب على حصد الأصوات الكافية في دوائرهم الانتخابي وذلك لمحدودية إمكانياتهم المادية وتأثيرهم الإجتماعي في مناطقهم.

الشباب والعمل الحزبي والمدني

بالإمكان القول أن أكبر دور سياسي لعبه الشباب يقع في إطار العمل داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والنقابي، وهنا يجب توضيح الفرق بينهما وكيفية تفاعل الشباب مع كل منهما:

العمل الحزبي: لازال المجتمع الليبي بشكل عام يحمل نظرة سلبيةً نسبياً تجاه الأحزاب، وقد تكون هذه النظرة محملةً بأعباء الماضي الذي يحمل في طياته صراعاً بين السلطة القائمة والأحزاب نرى أولى تجلياتها في عهد المملكة وأكثر أشكالها تطرفاً في عهد القذافي.

وبالعموم التجربة السياسية الحزبية في ليبيا بعد الثورة، في نظر أغلب المراقبين، غير موفقة، والادلة عليها واضحة خلال فترة المؤتمر الوطني العام، والأحداث السياسية التي تلته، حيث أعادت التجربة بشكل أو بآخر ترسيخ الصورة النمطية السلبية للأحزاب في الوعي الجمعي للمجتمع الليبي، وبما أن الشباب جزء من المجمع فإن نظرة شريحة واسعة منهم متأثرة بهذه السردية.

مع ذلك يمكن أن نقول بأن أحزاباً مثل تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء ومؤخراً الحزب الديمقراطي تمكنت من استقطاب أعدادٍ لا بأس بها من الشباب، ومارس العديد من هؤلاء الشباب العمل السياسي من خلال منصات تلك الأحزاب. ومع التأكيد على وجود انتماءات فكرية وسياسية ربطت قطاع من الشباب بالأحزاب النشطة على الساحة، لكن من المهم الإشارة إلى أن أكبر نقدٍ يوجه سواءً للأحزاب أو شريحة غير قليلة من الشباب المنخرطين فيها هو الاستقطاب على أساس نفعي لا فكري، وبالتالي فإن العلاقة بين الأحزاب والشباب في معظم الحالات لا تكون قائمةً على اتفاقٍ فكري ما يجعل العمل الحزبي بمثابة وظيفة يقوم فيها الطرفان بتبادل العمل مقابل المصلحة.

العمل المدني: على الجانب الآخر فإن أكبر تغيير من الممكن ملاحظته بعد عام 2011 في واقع المشاركة السياسية للشباب هو الانتشار الواسع لمؤسسات المجتمع المدني في ليبيا عامةً وفي المدن الكبرى خاصة، وإن كان تأثير هذه المؤسسات على عملية صنع القرار محدوداً للغاية، إلا أنه بالإمكان القول أن الاهتمام الدولي بها أعطاها أهميةً خاصة ومنح قادتها من الشباب مجالاً أوسع للمناورة السياسية، ما جعلهم عرضةً للاستقطاب في بعض الحالات وعرضةً للتهديد في حالاتٍ أخرى.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن هذه المؤسسسات المدنية لم تسلم أيضاً من النقد اللاذع في أوساط الرأي العام الليبي، ويعزى ذلك في العادة لارتباط الكثير منها بقوة بسفارات دول أجنبية ومنظماتٍ دولية، وإن كان واضحاً بأن الحملة المناهضة لمؤسسات المجتمع المدني في ليبيا تتجاوز ردة فعل شعبية عفوية، وتصل بشكل جلي إلى عملٍ ممنهج ما يحد من قدرة الشباب الذين يرون في العمل المدني سبيلاً للإنخراط في العمل السياسي.

دور الشباب في العملية السياسية

بينما نقرأ بين الحين والآخر تصريحات المبعوثين الأمميين إلى ليبيا عن أهمية إشراك الشباب في العملية السياسية في ليبيا، ونرى أيضاً بعض الوجوه الشابة مشاركةً في أعمال لجان الحوار، إلا أن الدور يبقى متواضعاً للغاية خاصةً بالأخذ في عين الاعتبار حالة الغضب الشبابي تجاه مخرجات هذه اللجان.

وتكمن دوافع هذا الغضب في شعور الشباب بأن فاتورة التمطيط في العملية السياسية هي العامل الزمني الذي يضيع من مستقبلهم بسبب التخبط السياسي والانفلات الأمني بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي يمثل الشباب الأغلبية الساحقة منها في موجات العنف المتتالية والتي تأتي كنتيجة لانسداد العملية السياسية.

يتحدث المبعوث الأممي الحالي إلى ليبيا السيد عبد الله باتيلي عن أهمية دور الشباب في العملية السياسية، وقد قام بعدة لقاءات مع ممثلين عنهم، ولكن النقد الأكبر لهذه التصريحات واللقاءات هو أنها أشبه بحملةٍ دعائيةٍ لأعمال البعثة، وأن النتائج الحقيقية للعملية السياسية تحددها عوامل أخرى متعلقة بمصالح النخبة السياسية وداعميهم الدوليين، وهذا ما يكرس حالة الإحباط والابتعاد عن المشاركة السياسية بمختلف أوجهها ضمن الأوساط الشبابية الليبية.