ما تفتأ كلمة المصالحة الوطنية عن الحضور في الحياة السياسية الليبية في كل خطاب رسمي أو إحاطة أممية باعتبارها مشروعا مؤجلا لم تقم السلطة السياسية في ليبيا بواجبها لإتمامه، كما أن المصالحة الوطنية كمشروع ما تزال غير واضحة المعالم وهو ما يجعل استمرار استخدام اللفظ لا يخلو من تسييس ضار بالمعنى العام للمشروع الذي سنحاول أن نناقش مدى الحاجة السياسية إليه ومستقبله كمشروع وطني يساهم في تجاوز المشكل السياسي الذي أثر بعمق على التركيبة الاجتماعية للمجتمع وتجانسه وانسجامه.
مفهوم المصالحة الوطنية
يمكن وصف المصالحة الوطنية كمشروع سياسي في الدول التي مرت بأزمة أو احتراب أهلي أو حتى احتلال خارجي، والغاية تكون استيعاب التغيرات الجذرية التي ألقت بظلالها على المجتمع لتدعيم الاستقرار في المجتمعات ورأب الصدع وإبعاد المتضررين عن السعي للانتقام وكسر حلقة العنف.
لا توجد أمثلة متطابقة كحالات يمكن دراستها من حيث المعطيات والسياقات والنتائج إلا أن تجربة الجزائر تعد التجربة الأوضح وذلك بعد العشرية الدامية إثر الصدام المسلح بين الجيش والجبهة الوطنية للإنقاذ بسبب إلغاء نتائج انتخابات عام 1993 التي فازت فيها الجبهة بأغلبية أصوات الناخبين.
أطلق الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي صار قانونا عام 2006 بعد عرضه على الاستفتاء الشعبي وحيازته على موافقة 97% من المصوتين.
يقدر عدد ضحايا العشرية السوداء في الجزائر بـ200 ألف قتيلا، ما يعد جرحا غائرا في مجتمع أنهكه الاحتراب الأهلي، وكان هدف مشروع المصالحة والسلم الوطني في الجزائر هو وقف إراقة الدماء والوصول إلى السلم وتحييد المقاتلين المعارضين للسلطة وتقديم فرصة وممر آمن للتراجع.
ورغم تحفظات جمعيات حقوق الإنسان ومعارضي السلطات الجزائرية على الميثاق والمشروع بالقول: إن مشروعا سياسيا سعى إلى تبرئة الأجهزة الأمنية ووصف خصومها بالإرهابيين، فإن المقاربة تحولت إلى عفو عام نجح في إطفاء حريق الاحتراب.
المصالحة الوطنية في ليبيا.. ما الضرورة؟
باستعراض النموذج الجزائري فإن مشروع المصالحة الوطنية ارتكز على سلطة سياسية حاكمة تبسط سيطرتها، وكما تؤكد الباحثة فوزية زراولية قام مشروع المصالحة في الجزائر على أركان النسيان برعاية الدولة والتعويض والعفو العام، وإذا حاولنا إسقاط التجربة على الحالة الليبية فإن الضرورة له لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة كما أن الحاجة لا تظهر ملحة كما هي في حالة الجزائر التي خاضت صراعا داخليا مدته عشر سنوات ونتائجه كانت كبيرة وخطرة، فبالإضافة إلى أعداد القتلى فإن الخسائر قدرت بـ30 ألف مليار دولار.
فمن الناحية البنيوية للجسم الاجتماعي الليبي فإن نتائج الثورة هي نتائج سياسية كانت أقل عنفا تجاه أنصار القذافي وأركان نظامه بل كان التسامح حاضرا، فقد كان على رأس الجسم السياسي للثورة وزير عدل في نظام القذافي وقاد القوات المسلحة والثوار آخر وزير داخلية في ما كان يعرف باللجنة الشعبية العامة، ورغم أحداث الاقتتال التي جرت في الثورة إلا أن فكرة إبادة الخصم والقتل الجماعي لم تكن حاضرة في الصراع الذي لم يتجاوز تسعة أشهر عام 2011.
بالنظر إلى الحالة الكلية للصراع في ليبيا والتشظي المجتمعي الحاصل فإن تجاوز المجتمع حالة الاقتتال تجاوزا سريعا نسبيا؛ تدل على ذلك أرقام ونسبة المشاركين في الانتخابات الأولى بعد الثورة التي بلغت 80% من ثلاثة ملايين ونصف مليون ناخب.
ربما تكون الصورة قد اختلفت بعد العام 2014م حيث أخذ الصراع المسلح منعطفا حادا، وفي حال تغاضينا عن ما ذكرنا من معطيات طبيعية ليكون مشروع المصالحة ما بعد الصراع استحقاقا ضروريا فإن الآليات لتطبيق فكرة المصالحة لا تبدو ممكنة بفعل التشظي السياسي في البلاد وعدم وجود سلطة مركزية حاكمة تملك القرار السياسي وتكون وحدها قادرة على جعل المشروع المصالحة مشروع دولة.
على مستوى مناطقي وفي مساحات محدودة جغرافيا واجتماعيا كانت نتائج المصالحة أفضل، فقد طبقت فكرة المصالحة الأهلية في حالة مصراتة وتاورغا بعيدا عن السلطة الحاكمة للبلاد، بإشراف من الحكماء والأعيان من الطرفين التي نتج عنها عودة أهالي مدينة تاورغاء إلى مدينتهم بعد أن دفعوا للهجرة منها قسرا نتيجة الحرب عام 2011 وهي الحالة التي تؤكد أن فكرة المصالحة الوطنية ممكنة.
المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية
أخذت المصالحة الوطنية التي برزت في الإعلام والساحة السياسية عقب الثورة اتجاها سياسيا هدفه، كما يرى بعضهم، تفكيك ملف أنصار النظام السابق خصوصا بعد إقرار قانون العزل السياسي الذي ألغي العام 2014 بقانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب.
ومن هنا يذهب أهل الاختصاص إلى أن الضرورة والحاجة تستدعي الربط بين المصالحة والعدالة الانتقالية لمعالجة أسباب الصراع واجتثاث جذور النزاع التي امتدت لعقود. ويعتقد آخرون أن من بين مسببات وقوع الاغتيال والقتل خارج نطاق القانون هي غياب القصاص والعدالة، فلما قامت الثورة عام 2011 التي كان من بين أسباب اندلاعها موقف أهالي ضحايا حادثة سجن أبو سليم، لم يتم تسوية هذا الملف تسوية عادلة، بل انحازت المعالجة لصالح الجلاد وعلى حساب أهالي الضحايا.
لم تول سلطات ما بعد الثورة اهتماما يذكر للعدالة الانتقالية لتدفن مع النظام السابق مشكلاته ومظالمه وتقتص للمجني عليهم من الجناة ولو عبر استحداث محاكم خاصة تستعجل القضايا التي أثخنت جسد المجتمع خصوصا قضايا التصفية والقتل خارج نطاق القانون وسلب الأرزاق والأملاك، وجبر الضرر والاهتمام بالذاكرة التاريخية لمنع تكرار هذه الوقائع المشينة، بل إن الوضع ازداد سوءا خاصة بعد العام 2014م وهو ما دفع دفعا جزئيا إلى حالة من الافتئات في أخذ الحق ليتطور لاحقا وتنتج عنه حالات عنف على موجات متفرقة.
المجلس الرئاسي ومشروعه للمصالحة
بحسب الاتفاق السياسي في جنيف الذي نتج عنه تشكيل سلطة تنفيذية جديدة فإن مشروع المصالحة الوطنية صار من المشاريع التي تقع ضمن مسؤولية المجلس الرئاسي وهو بالمناسبة مقترح البعثة الأممية للدعم في ليبيا.
انتدب المجلس الرئاسي عددا من الخبراء والباحثين والنشطاء لوضع رؤية للمصالحة وشهد التاسع من يناير من العام الجاري تنظيم المجلس الرئاسي الملتقى التحضيري للمصالحة الوطنية بإشراف نائب الرئيس عبدالله اللافي، وبحسب تصريحات بعض الحاضرين وغيرهم ممن قيموا الملتقى فقد اتسم بالعشوائية والفوضى، كما شهد الملتقى حضورا لافتا لأنصار النظام السابق، واحتدم النقاش حول النشيد والعلم وهو ما حاول أنصار النظام السابق إدراجه ضمن البند الختامي للمؤتمر الذي قاد إلى جدل واسع.
ردود الفعل حول الملتقى كشفت أن مقاربة المصالحة الوطنية وفق رؤية المجلس الرئاسي ما تزال غير واضحة من حيث الأهداف والآليات، واتجه بعض المراقبين في تقييمهم لموقف أنصار النظام السابق للمصالحة من أنها في نظرهم أداة للنفاذ إلى الساحة السياسية نفاذا غير مباشر ولا تظهر رغبة حقيقية في رأب الصدع الاجتماعي وجسر الهوة السياسية.
الخلاصة
تأخذ فكرة المصالحة الوطنية حيزا واسعا من الاهتمام الإعلامي، إلا أنها من حيث المعالم والأهداف ما تزال غير واضحة كما أن العلة والغاية منها كما المسارات الأخرى ما تزال في حاجة للمراجعة والتقييم الموضوعي.
تعد العدالة الانتقالية ضرورة ملحة في الحالة الليبية خصوصا بعد الصراع الدامي في البلاد بعد سنوات الاحتراب بين الفرقاء السياسيين الليبيين التي كانت ذات أثر بالغ على المجتمع وانسجامه وتجانسه.
كما أثبتت تجارب المصالحة المناطقية والقبلية برعاية المجتمع الأهلي من أعيان وحكماء على قدرة الليبيين كمجتمع على التصالح وجبر الأضرار وتجاوز الآلام والأحقاد.
لا تخلو فكرة المصالحة الوطنية من استغلال أطراف سياسية بعينها بغية إعادة تأهيلها في الوجود السياسي مستخدمة فكرة المصالحة الوطنية كبوابة غير مباشرة، وتنظر منظمات حقوقية إلى الإفراج عن قيادات النظام السابق كتوظيف سياسي لمفهوم المصالحة واجتزاء للمقاربة الشاملة التي تجمع بين الصلح وتحقيق العدالة وجبر الضرر.
عليه يمكن الخلوص إلى أن المصالحة الوطنية تعاني خللا كبيرا في تعريف أهدافها وغاياتها وأدواتها، وتفتقر إلى المقاربة الشاملة التي تعالج كافة أو جل آثار النزاع في القديم والحديث وفق شعار السلام والوئام والعفو دون انحياز أو تضييع لحقوق المتضررين.



