أولاً: الرصد والوصف
شهدت الساعات الماضية تطوراً أمنياً لافتاً في أقصى الجنوب الليبي، حيث تعرض معبر “التوم” الحدودي مع دولة النيجر، ووادي البوغراره وبوابة السلفادور، لهجوم مسلح مفاجئ.
وجدير بالذكر أن التوم هي نقطة حدودية ليبية، على الحدود الجنوبية مع دولة النيجر، تبعد عن قرية القطرون الليبية نحو 310 كم، في عمق الصحراء، وعن قرية ماداما النيجرية بمسافة 80 كم تقريباً. وهي تقع إلى جنوب شرق أدهان مرزق التي تحد فزان من جهة الجنوب، وإلى شمال شرق هضبة دجادو بمنطقة أغاديس النيجرية، وإلى شمال غرب جبال تيبستي بتشاد. ويربطها بواحة القطرون طريق ممهّد جزئياً.
القوة المهاجمة: هي مجموعة تتكون من بضع عشرات من المسلحين تسليح خفيف ومتوسط، بعضهم ينتمون للجنوب الليبي على رأسها شخص يدعى محمد وردكو المهدي “50 سنة”، ينتمي إلى قرية تجرهي الليبية، وكان رئيساً للمجلس العسكري لثوار مرزق، خلفاً لشقيقه بركه وردكو المهدي الرئيس السابق للمجلس العسكري مرزق إبان ثورة فبراير، الذي توفي بسبب المرض في يوليو 2016، وقد عُرف عن محمد وردكو معارضته للقيادة العامة في الشرق وسياساته في الجنوب، وقد صدر بحقه أمر قبض في مايو 2020، من قبل آمر مجموعة المناطق العسكرية الجنوبية، لواء بلقاسم الأبعج، التابع لقوات القيادة العامة، بسبب خروجه على وسائل إعلام وتأييده لحكومة الوفاق الوطني. تطلق هذه المجموعة على نفسها “ثوار الجنوب”، وقد تبنت الهجوم في مقطع مصور تم نشره بعد العملية، التي نُفذت عند الساعة السابعة والنصف صباحاً، من يوم 31 يناير 2026م. حيث صرح محمد وردكو أن العملية نُفذت بدوافع سياسية ومعيشية (تصحيح مسار ثورة فبراير، الاحتجاج على نقص الوقود والخدمات، ورفض عسكرة الدولة وقمع الحريات وإعادة الدكتاتورية).
النتائج الميدانية: تمكن المهاجمون في البداية من السيطرة على المعبر وإيقاع نحو 19 قتيلا، وبعض الأسرى لم يُعلن عن عددهم، ولا يُعرف مصيرهم إلى الآن في صفوف القوة المرابطة هناك، والتابعة لخليفة حفتر. وتم انسحاب القوة المهاجمة إلى وجهة غير معروفة، ربما تكون داخل الحدود النيجرية؛ لتجنب الاستهداف من القوات التابعة لخليفة حفتر.
رد الفعل: شنت الكتيبة “676” بإمرة محمد الجارح. التابعة للقيادة العامة (قوات حفتر) هجوماً مضاداً استعادت خلاله السيطرة على المعبر، والمنطقة المحيطة به. دون أي مواجهات، مع استمرار عمليات التمشيط في الصحراء المتاخمة.
إن الطبيعة الصحراوية للمنطقة وطوبوغرافيتها الوعرة، تجعل مسألة السيطرة عليها معقدة جداً، في ضل غياب معسكرات مجهزة متمركزة في الصحراء، قادرة على سرعة التدخل والاستجابة.
الأهمية الاستراتيجية: لا يُعد معبر التوم شريان حياة رابط بين ليبيا والنيجر، ولا هو ممر رئيسي للتجارة البينية، لأن جُل التجارة مع دول الساحل الإفريقي، هي تجارة خارج منظومة الدولة ومؤسساتها، فهي تجارة تهريب غير مشروعة. ولا يمثل معبر التوم نقطة ارتكاز لخطوط التهريب، وتسلل الجماعات المسلحة العابرة للحدود. فالصحراء مترامية الأطراف، ولا توجد موانع طبيعية أو حقول ألغام تفرض ضرورة المرور عبر المعبر. ولكن طبيعة التهديدات اللاتماثلية من قبل مثل هذه المجموعات الصغير في عددها، ذات التسليح الخفيف والمتوسط؛ تجعلها قادرة على إحداث أضرار بالغة ومنهكة للقوات المتمركزة في الصحراء. خاصة وأن هذه المجموعات قد خبرت الصحراء، وتتحرك فيها بأريحة ومرونة إلى حد كبير. وهذا بدوره يظهر أن سيطرة خليفة حفتر على الجنوب سيطرة منقوصة وقواته معرضة للخطر، وقابلة للتهديد في أي لحظة. ما يُضعف موقفه التفاوضي في التسويات السياسية، وفي حال تكررت مثل هذه الهجمات، فأن نتائجها السلبية على القيادة العامة قد تكون أكبر، ومن ذلك انتقال العملية إلى مناطق أكثر حيوية.
ثانياً: التحليل
يكشف الهجوم أن السيطرة العسكرية لقوات حفتر في الجنوب، رغم كثافتها الظاهرة، إلا أنها تعاني من ثغرات في الإنذار المبكر، والقدرة على صد الهجمات الخاطفة في مناطق نائية. كما أن استخدام مسمى “ثوار الجنوب” وربط التحرك بـ “ثورة فبراير”، والوضع المعيشي يشير إلى محاولة لإضفاء شرعية محلية على التحرك، كما أن طبيعة الهجوم وقائده والموقع تشير إلى احتمالية وجود تقاطعات مع شبكات التهريب المتضررة، والتي تتقاطع مع القوات التابعة لصدام نجل خليفة حفتر نائب القائد العام.
ويأتي هذا التوتر في ظل اضطرابات سياسية وأمنية في النيجر، فقد أعلن المجلس العسكري الحاكم في النيجر عن مقتل 20 شخص شاركوا في الهجوم على مطار نيامي؛ مما جعل الحدود منطقة “رمادية” يسهل فيها تحرك المجموعات المسلحة والمعارضة التشادية أو النيجرية، التي قد تتحالف مع أطراف محلية لغرض القيام بعمليات عسكرية؛ الغاية منها الإنهاك وتغيير ميزان القوة في المنطقة الجنوبية بليبيا.
فاستعادة المعبر بسرعة كانت ضرورة حتمية للقيادة العامة؛ للحفاظ على هيبتها العسكرية في فزان، ولضمان عدم تحول المنطقة إلى بؤرة انطلاق لتمرد أوسع، قد تعجز عن مواجهته، خاصة في ظل حالة عدم الرضى من نقص الخدمات الأساسية وحالة كبت الحريات.
ثالثاً: التفسير
يمكن تفسير هذا التصعيد بأنه “رسالة قوة” من أطراف متضررة في الجنوب الليبي (سواء كانت سياسية أو قبلية أو شبكات تهريب)؛ تهدف إلى زعزعة احتكار القوة العسكرية للقيادة العامة في المنطقة. كما يفسر التوقيت باستغلال حالة الجمود السياسي في طرابلس، وانشغال المنطقة بالأزمات الإقليمية؛ لاختبار مدى جاهزية القوات المتمركزة في أقصى النقاط الحدودية.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة
- سيناريو الاحتواء (المرجح): نجاح القيادة العامة في تعزيز تمركزاتها العسكرية وزيادة طلعات الاستطلاع الجوي؛ مما يؤدي إلى تراجع المجموعات المهاجمة، واختفائها في عمق الصحراء، أو دخولها الأراضي النيجرية، وعودة الهدوء الحذر.
- سيناريو الاستنزاف: استمرار “حرب العصابات” عبر هجمات خاطفة على نقاط التفتيش والمعابر؛ مما يستنزف القوات النظامية، ويخلق حالة من انعدام الاستقرار الدائم، التي تخدم شبكات التهريب.
- سيناريو الانفجار الواسع: توسع دائرة الصراع لتشمل مدن الجنوب الكبرى (سبها، أوباري، مرزق) نتيجة اصطفافات قبلية، أو استغلال حالة الاحتقان الشعبي نتيجة نقص الخدمات، وهو سيناريو ضعيف حالياً، نظراً للتفوق العسكري الكاسح للقوات التابعة لخليفة حفتر في تلك المناطق.
خامساً: السيناريو المرجح
السيناريو الأول (الاحتواء) هو المرجح على المدى القريب، لقدرة “القيادة العامة” على تحريك تعزيزات برية وجوية سريعة، ولأن المجموعات المهاجمة تفتقر -حتى الآن-للحاضنة الشعبية الصلبة، وللغطاء السياسي الدولي أو المحلي، الذي يمكنها من الصمود طويلاً في نقاط ثابتة ومكشوفة كالمعاب، دون أن يلغي هذا السيناريو احتمالية التحرك إلى سيناريو الاستنزاف، اذا استمرت الأوضاع السياسية والاقتصادية على ما هي عليه، وانشغلت القيادة العامة بملفات مستحدثة في مناطق حيوية.



