مقدمة
دور الولايات المتحدة الأمريكية في توجيه الأحداث في مناطق عدة في العالم لا يختلف عليه أثنان، فمنذ إنهاء سياسة العزلة التي كانت تنتهجها أمريكا قبيل الحرب العالمية الأولى، وبعد وضع أسس نظام عالمي جديد بعيد الحرب العالمية الثانية، بات تأثير واشنطن في العالم قويا، وصار أكثر أثرا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي.
غير أن دوائر تركيز واهتمام الولايات المتحدة تتغير بتغير من يحكم في البيت الأبيض، حيث تختلف أولويات الحزب الجمهوري عن الحزب الديمقراطي، وإن بدت أن السياسة الأمريكية في خطوطها الرئيسية وأهداف الكلية لا تتغير، ومن ذلك الدعم الكبير لدولة إسرائيل، إلا إن الخيارات تتفاوت بتفاوت أفكار وأولويات الرئيس والطاقم الذي يدير المؤسسات التنفيذية الرئيسية.
مكانة ليبيا في السياسة الأمريكية
حظيت ليبيا باهتمام الولايات المتحدة بعد استقلالها وتفجر النفط من صحاريها بكميات كبيرة، حيث جلبت الشركات الأمريكية التي سبقت إلى اكتشاف النفط واستخراجه اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وعُدت ليبيا خلال الفترة الملكية من ضمن حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
العلاقة تبدلت كليا من الصداقة وتشابك المصالح، إلى القطيعة والصدام بعد العام 1969م، فقد قادت التوجهات القومية للضباط الذين اسقطوا النظام الملكي إلى توتر بين البلدين تطور إلى حالة عدائية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفرضت الولايات المتحدة تصنيف ليبيا كـ “دولة مارقة” ضمن المجتمع الدولي، أو في أورقة صناعة القرارات الأممية، وانتهت هذه المرحلة بفرض عقوبات على البلاد استمرت لما يزيد عن عشر سنوات، لتعود ليبيا إلى الحضيرة الدولية من البوابة التي أخرجت منها، وهي الولايات المتحدة.
لقد قادت الولايات المتحدة الحملة لعزل النظام السابق، كما أشرفت على عملية إعادة تأهيله، بعد قبوله بشروط الإدارة الأمريكية زمن الرئيس جورج دبليو بوش، ولم يدم شهر العسل إلا سنوات قليلة، لتقود الولايات المتحدة العلميات العسكرية التي أسهمت في الإطاحة بنظام القذافي العام 2011م.
الدور الأمريكي في الأزمة الليبية الراهنة
مرت نحو 3 سنوات بعد سقوط النظام السابق دون أن تشهد تدخلا ذي بال للولايات المتحدة الأمريكية، إلا دعم وتأييد الانتقال الديمقراطي والانتخابات العامة العام 2012م، وذلك حسب ما ورد من تصريحات ومواقف، كما لعبت واشنطن دورا عبر أدوات الضغط لاحتواء النزاع الذي تفجر العام 2014م وقاد إلى الانقسام السياسي الراهن بين كتلتين رئيسيتين إحداهما في الغرب والأخرى في الشرق.
الحضور البارز لستيفاني ويليامز في البعثة الأممية كان لمرجعيتها الأمريكية، وقد تم تعيينها بطلب مباشر من الرئيسي الأمريكي، وكانت وليامز عرابة الاتفاق السياسي الذي أنتج السلطة التنفيذية بشكلها الحالي، غير أن الاهتمام بدا أكثر، خاصة على الصعيد الأمني، بعد التوغل الروسي في البلاد خلال الخمس سنوات الماضية، ولقد كان الاقتراب على أعلى المستويات في القيادة العسكرية الأمريكية للقارة الأفريقية وبشكل مكثف، ويعود تماسك لجنة 5+5 خلال السنتين الأوليين من تشكيلها إلى التركيز الأمريكي على تثبيت وقف إطلاق النار والبحث عن مساحات للشراكة بين القوتين العسكريتين في الغرب والشرق، على مبدأ الملكية الليبية للسيادة الأمنية والعسكرية، والهدف كما يقرر عديد المراقبين هو إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد.
عهد الرئيس بايدن كانت باهتا بالنسبة للملف الليبي، وقانون “السلام والاستقرار في ليبيا” الصادر في العام 2021م، والذي حظى بدعم أغلبية ساحقة في الكونغرس الأمريكي، كان عملا للمجلس التشريعي أكثر منه جهدا للبيت الأبيض، ثم إن إدارة بادين لم تضع القانون موضع التنفيذ، خصوصا البنود التي تخوله باتخاذ إجراءات رادعة لـ “معاقبة من يقوم بأفعال تهدد السلام والاستقرار في ليبيا، أو مسؤول أو متواطئ في انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، أو سرق أصول الدولة الليبية أو مواردها الطبيعية”، كما ورد بالقانون. وهكذا الحال عندما تتفجر أزمات من النوع الثقيل ويكون الدور الأمريكي فيها رئيسيا كما وقع في الحرب الروسية الأوكرانية، إذ يتلاشى الاهتمام بالملفات الأقل حيوية بالنسبة للإدارة الأمريكية.
إشكاليات تتعلق بالموقف الأمريكي من الأزمة الليبية
سبقت الإشارة إلى أن ليبيا لا تندرج ضمن أولويات الولايات المتحدة، وتعامل واشنطن مع مجريات الأحداث في البلاد إنما يعود إلى مدى تأثير تلك المجريات على المحيط الجغرافي، خاصة الأوروبي، وما يمكن أن تسفر عنه من تداعيات قد تشكل تهديدا للمصالح الأمريكية، وهنا يبرز ملف الإرهاب.
لقد كان الانتقاد الأبرز الذي وجه للبيت الأبيض فترة إدارة بارك أوباما، والذي لعب دورا بارزا في التغيير الذي وقع في البلاد العام 2011م، أن واشنطن أهملت البلاد التي كانت تتلمس طريق الاستقرار والنهوض، وتركت هي وحلفائها الأوروبيين الليبيين يواجهون تحديات الانتقال ومخاطره دون دعم.
بعض المصادر الرسمية الأمريكية تشير إلى أن هناك “مصلحية استراتيجية في أن تكون ليبيا مستقرة ومزدهرة”، غير أن الموقف الفعلي لا يعكس هذا البعد المصلحي الاستراتيجي، وهناك تكمن أبرز إشكاليات السياسة الأمريكية تجاه ما يجري في ليبيا.
العهد الثاني لترامب والتطلعات لدور أكبر في ليبيا
أكد الرئيس دونلد ترامب لمستشاره لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، أنه لا يمكن أن يقبل باستمرار الوضع على ما هو عليه في ليبيا، وهو الموقف نفسه الذي نطق به المستشار بولس في أكثر مناسبة، حتى أن مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، صرح جازما أنهم “سيحققون نجاحا قريبا في ليبيا”، ما يعني أن ليبيا ستكون حاضرة أكثر على طاولة البحث والنقاش في أروقة الإدارة الأمريكية، وهنا يثار سؤال: ما هي دوافع السياسة الأمريكية في العهد الثاني لترامب، وهي ماهي ألية تحقيق ما بشرت به؟
- دوافع السياسة الأمريكية الجديدة في ليبيا: الإجابة على الشق الأول من السؤال يجدها القارئ في القوة الدافعة لسياسات الرئيس ترامب، وهي مراكمة المكاسب الاقتصادية للولايات المتحدة بشكل مباشر، والتضييق على المنافسين الذين لهم باع في التوسع الاقتصادي ومقارعة أمريكا في مؤشرات النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي والتقدم في صناعة ترسانة السلاح.
بعض من أخضعوا سياسات ترامب تجاه ليبيا للتحليل أشاروا إلى تطلع أمريكي جديد لـ “التحكم في النفط والغاز الليبيين”، وجريا على استعراض مسعد بولس لقائمة المعادن التي تزخر بها بعض الدول الأفريقية التي زارها بعد تسلمه منصبه، وأن هذه المعادن تشكل احتياجا استراتيجيا للولايات المتحدة، فإن هذا يمكن أن ينطبق على ليبيا، البكر في هذه الثروات الطبيعية.
وإذا ما تأكدت المزاعم حول التوجه الأمريكي لاستغلال ليبيا بمساحتها الشاسعة وعدد سكانها المحدود لتوطين عرب وإجانب فيها، فإن هذا يعزز التحليل الذي ينزع إلى استغلال الحالة الراهنة للبلاد لتمرير أجندات تقلق البيت الأبيض إلا إنها تعصف بالسيادة الليبية وتهدد الأمن القومي للبلاد.
- أدوات السياسة الأمريكية الجديدة في ليبيا: نقل مراقبون ملامح الإجراءات التنفيذية لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في ليبيا، وتحدثوا عن “القوة والشراكات الاقتصادية” والتي عبر مسعد بولس أنها من أهم أدوات إدارة اترامب في عهده الثاني لإنجاح مساعيها لفرض السلام في الدول التي تواجه أزمات، ومنها ليبيا. ومعلوم مدلول استخدام القوة، والتي لا تعني بالضرورة المعنى المادي المجرد، بل استخدام النفوذ لتمرير الأجندة الأمريكية، أما الشراكات الاقتصادية فهي أيضا لا تعنى المضمون الحقيقي للجملة، فالولايات المتحدة اعتبرت ما تحصلت عليه من دول الخليج خلال زيارة ترامب لها، شراكات اقتصادية، فيما اعتبره عديد المراقبين، استغلال أمريكي للدعم والحماية التي توفرها لتلك الدول.
الخاتمة
البعثة تتجهز لتقديم خارطة طريق تفكيك الأزمة والاتجاه إلى حلها، وهنا يمكن أن تقفز واشنطن إلى قمرة القيادة لوضع بصماتها ضمن الخارطة، والبصمة قد تكون هندسة الخيار الرابع ضمن الخيارات التي اقترحتها اللجنة الاستشارية، وهو تشكيل مجلس تأسيسي، فهذا الخيار يتطابق مع ما أعلن عنه بولس في معرض حديثه عن ملامح الخطة الأمريكية لحل الأزمة الليبية، غير أن لترامب طريقته المنفردة في إنجاز ما يريده، فعندما أراد أن يكون لإدارته حضور في الملف الليبي في العهد الأول من حكمه فرض على البعثة أن يكون أحد موظفيه مشرفا على إدارة العملية السياسية في البلاد، وهو ما يلائم تفكير وسلوك الرئيس الأمريكي، وبالتالي فإن السيناريو الأكثر احتمالا أن تبادر واشنطن بخطة مستقلة قد تطغى على خارطة الطريق، أو تسبقها، وإلا فما معنى كلام بولس أن الولايات المتحدة تملك روية متكاملة لحل النزاع الليبي، وما المغزى من تصريح ويتكوف بقوله سنحقق نجاحا في ليبيا، وقد سبق تصريحه هذا حديث المبعوثة الأممية عن خارطة الطريق.



