اختلفت الدراسات بشأن العلاقة بين الصادرات والنمو الاقتصادي اختلافا كبيرا بين إستراتيجيتين رئيسيتين، فبينما تؤيد الأولى إستراتيجية النمو القائم على التصدير (Export-Led Growth/ ELG) تؤيد الثانية إستراتيجية التصدير التي يقودها النمو (Growth -Led Export/GLE)، وفي بحث لعبد الباسط حمودة وآخرين استخدمت السلاسل الزمنية لاختبار العلاقة بين النمو الاقتصادي والصادرات في ليبيا خلال الفترة الزمنية بين عامي 1980 – 2007، وخلصت الدراسة باستخدام اختبار جرانجر للسببية إلى وجود تأثير إيجابي للنمو في الصادرات على النمو الاقتصادي في المدى القصير والبعيد، وأوصت بتبني سياسات تجارية محفزة للصادرات لتحقيق النمو في الاقتصاد الليبي، وبالنظر إلى كلتا الرؤيتين فإنه لا تخفى مركزية الصادرات في دينامية النمو الاقتصادي، ما ينبغي أن يجعل مسألة الصادرات من أولويات الإدارة الاقتصادية في الحكومة الليبية.
هيكل الصادرات الليبية:
رغم أن الميزان التجاري حقق فائضا في العقدين الأخيرين ما عدا أعوام (2014، 2015، 2016) بحسب منشورات المصرف المركزي ما يعد مؤشرا إيجابيا دون شك، إلا أن العجز الذي عاناه الميزان التجاري في الأعوام المذكورة آنفا والانخفاض الكبير في الفائض حوالي 98% عام 2020 عن العام الذي سبقه بسبب المشاكل الأمنية وإعلان القوة القاهرة على الحقول والموانئ النفطية يدل على عيوب جوهرية في هيكل الصادرات الليبي، إذ اتسمت التجارة الخارجية لليبيا بهيمنة صادرات منتج واحد والاعتماد الشديد على عائدات تصدير النفط الخام كمصدر رئيس للنقد الأجنبي، فمنذ اكتشاف النفط في ليبيا والبدء في تصديره ستينات القرن الماضي وحتى اليوم شكلت حصة صادرات النفط نصيب الأسد من إجمالي الصادرات.
وبسبب ارتباط صادرات النفط في العقود الأخيرة بتقلبات كبيرة نتيجة لعوامل خارجية تتحكم فيها قوى سياسية دولية في أغلب الأحيان ولعوامل داخلية أفرزتها الصراعات السياسية وعدم الاستقرار في العقد الأخير ما أدى لإعلان حالة القوة القاهرة وتوقف كثير من الحقول والموانئ النفطية في مرات عديدة ولفترات طويلة؛ تدهور اقتصاد البلاد وواجه أزمات خطِرة.
من البيانات العديدة التي نشرها مصرف ليبيا المركزي يمكن بسهولة ملاحظة هيمنة القطاع النفطي على الصادرات، إذ مثل أكثر من 95% من الصادرات السلعية للخارج في المتوسط، ما يجعل النفط هو المسيطر على هيكل التجارة الخارجي، إذ نلاحظ أنه حتى في الفترات التي تدنى فيها إنتاج النفط إلى أقل من 140 مليون برميل عام 2016، كان القطاع النفطي يمثل أكثر من 92% من إجمالي الصادرات السلعية.

ما يشكل مؤشرا واضحا على تدنٍ جوهري في مساهمة القطاعات الاقتصادية الأخرى في تركيبة الصادرات الليبية، وإذا وضعنا في اعتبارنا حقيقةَ أن الإيرادات النفطية تمثل النسبة الأكبر من إيرادات الدولة، وهي في الوقت نفسه تغطي مجمل النفقات العامة وتمول جل الواردات التي تلبي النسبة الأكبر من الطلب المحلي فإننا ندرك انكشاف الاقتصاد الليبي على الخارج بشكل جوهري، ونظرا لحساسية سلعة النفط الخام كسلعة عالمية تتأثر بمجموعة من العوامل الخارجية تأتي في مقدمتها العوامل الجيوسياسية، فإن هذا يجعل الاقتصاد الليبي عرضة لعوامل خارجية خارجة تماما عن سيطرته تجعله في مهب التقلبات العالمية، ما يحد قدرتَه بشكل أساسي على تحقيق أي أهداف تنموية مستقبلا، وبالنظر إلى نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي يمكن أخذ فكرة أوضح عن حجم انكشاف الاقتصاد الليبي على الخارج، إذ تراوحت بين 40% إلى حوالي 60% في المتوسط بين عامي 1990 إلى 2008 كما يبين الجدول التالي الذي أعد في دراسة تحليلية لمحمد علي صالح وحسين الفحل:
| السنة | الصادرات | الواردات | مجموع التجارة | الناتج المحلي الإجمالي | معامل التجارة الخارجية |
| 1995 | 3222.1 | 1728.5 | 4950.6 | 10672.8 | 46.4% |
| 1996 | 3578.8 | 1914.8 | 5493.6 | 12327.3 | 44.6% |
| 1997 | 3455.6 | 2138.6 | 5594.2 | 13800.5 | 40.5% |
| 1998 | 2374.1 | 2203.8 | 4577.9 | 12610.6 | 36.3% |
| 1999 | 3682.2 | 1928.6 | 5610.8 | 14075.2 | 39.9% |
| 2000 | 5221.5 | 1911.4 | 7132.9 | 17775.7 | 40.1% |
| 2001 | 5394.0 | 2661.4 | 8053.5 | 21618.6 | 37.3% |
| 2002 | 10177.0 | 5585.7 | 15762.6 | 30330.5 | 52.0% |
| 2003 | 14806.6 | 5597.8 | 20404.4 | 37360.7 | 54.6% |
| 2004 | 20848.3 | 8255.2 | 29103.5 | 48105.3 | 61.0% |
| 2005 | 31148.0 | 7953.5 | 39101.5 | 66450.6 | 58.8% |
| 2006 | 36336.3 | 7934.7 | 44271.0 | 80729.9 | 54.8% |
| 2007 | 40972.1 | 8501.4 | 49473.5 | 89260.3 | 55.4% |
| 2008 | 54732.4 | 11195.2 | 65927.6 | 105728.3 | 62.4% |
| 48.9% |
بالمليون دينار
حقيقة أن القطاع النفطي يخضع لإدارة الدولة يدل بوضوح على ضعف القطاع الخاص، بل ما يكاد يكون غيابا له عن هيكل الصادرات الليبي، ما يمثل خللا أساسيا يؤثر في التنمية الاقتصادية ككل.
تنويع الصادرات وتشجيع القطاع الخاص
لا شك أن الظروف التنافسية وحجم السوق من العوامل المهمة في الأسواق الخارجية، إذ يتمتع المنافسون المحليون الرئيسيون بميزة في قنوات التوزيع، وتصبح هذه المزايا عائقًا أمام دخول الشركة إلى السوق، وفي المقابل فإن البلدان التي تتمتع بقدر أقل من المنافسة وفرص نمو عالية، من المرجح أن تكون أسواقاً مستهدفة أكثر جاذبية، إلا أن الدعم الحكومي المتمثل في السياسات التي تطبقها الحكومة لمساعدة المصدرين في التجارة الدولية يعد عاملا محوريا في تشجيع الصادرات، فقد أظهرت الدراسات أن الحكومات يمكن أن تساهم في توفير البيئة التي تحفز التصدير ويمكنها أيضًا وضع العراقيل المختلفة أمام دخول الأسواق المحلية للتجارة الدولية. وبشكل عام، فإن الحكومة من خلال توفير المعلومات حول الأسواق الدولية ونشر الإرشادات للقطاع المستهدف ومن خلال توفير حوافز ضريبية خصوصا الضرائب غير المباشرة كضرائب المبيعات وكذلك تهيئة برامج التمويل والتأمين على البضائع المصدرة، تستطيع أن تدعم المصدرين وتدفع بالصادرات للزيادة، بالإضافة إلى ذلك يشير بعض الباحثين إلى وجود علاقة سلبية بين تعقيد سوق العمل وبين الصادرات، وعليه فإن السياسات الحكومية التي تساهم في تبسيط وتنشيط سوق العمل تساهم في تحفيز الصادرات.
يوجد طيف واسع من الخيارات المتاحة لإحداث تنويع حقيقي في هيكل الصادرات تكون شراكة القطاع الخاص فيها أساسية وخصوصا المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فالساحل البحري الطويل الذي تمتلكه ليبيا يمثل فرصة حقيقية لتطوير الصناعات التي تعتمد على الثروة البحرية، وكذلك تطوير الإنتاج الزراعي والحيواني، وفرص إنتاج الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية بالإضافة إلى مشاريع الريادة الشبابية، كل ذلك يمكنه أن يلبي السوق المحلية ويساهم أيضا في تنويع هيكل الصادرات مساهمة فاعلة وكذلك إلى تراجع حجم مساهمة الدولة في الصادرات تدريجيا إلى مستويات أكثر منطقية.
إذا تناولنا قطاع الموارد البحرية وصيد الأسماك على سبيل المثال فإن المنطقة الاقتصادية الخالصة -منطقة البحر التي تتمتع فيها دولة ذات سيادة بحقوق خاصة فيما يتعلق باستكشاف واستخدام الموارد البحرية- التي تملكها ليبيا تبلغ حوالي 355,590 كم2 وتعد الأكبر في منطقة المتوسط ما يمثل مصدرا مهما من مصادر الدخل وتوفير فرص عمل وفرصة حقيقية وإمكانية هائلة للمساهمة في تحقيق تنمية اقتصادية وتنويع الصادرات، خصوصا أن الطلب على الأسماك مرتفع في الدول المجاورة مقارنة بالطلب المحلي، ولكن على الرغم من ذلك فإن إنتاج ليبيا مقارنة بالدول المجاورة يدل على غياب القدرة على استثمار هذه الإمكانيات، فبحسب رسالة دكتوراه لفاطمة سعيد فإن الجزائر التي تملك نصف هذه المساحة تنتج من الأسماك عشرة أضعاف ما تنتجه ليبيا، وعمان التي يعتمد اقتصادها على النفط ومميزات موقعها البحري المشابهة لليبيا فإن صادراتها من المنتجات البحرية تبلغ 61% من مجمل إنتاجها البحري البالغ أكثر من 190 ألف طن في 2012 بعد تلبية الطلب المحلي، ما يدل على حجم السعة والقدرة غير المستغلة في ليبيا. وتسلط الرسالة الضوء على مجموعة من المشاكل التي تعوق نمو هذه الصناعة إلى مصدر مهم للدخل، منها أن قنوات التسويق غير متاحة أو لا تصل إلى قطاع واسع من المستهلكين، كذلك ارتفاع أسعار الأسماك بالنسبة لأغلب المواطنين وانخفاض الطلب أو الاستهلاك المحلي نتيجة لعوامل عديدة؛ إضافة إلى ضعف السياسات والبرامج الحكومية وضعف تنظيم قطاع الموارد البحرية وصيد الأسماك، وتهالك البنية التحتية السيئة أصلا إضافة إلى تهالك المعدات وقوارب الصيد وارتفاع أسعارها، ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام دخول السوق بالنسبة للصيادين الليبيين. استثمار القطاع العام في هذا المجال يكاد يكون منعدما مع غياب التقنية الحديثة بقطاع الموارد البحرية وصيد الأسماك وغياب الاستثمار في هذه التقنية؛ إضافة لما سبق ارتفاع نسبة الاقتصاد غير الرسمي في هذه الصناعة، كل ما سبق ذكره وغيره من المشاكل تعوق عملية التطوير في قطاع الثروة السمكية في ليبيا وتمنعه من تحقيق الميزة التنافسية للدخول في الأسواق الدولية.
الفرص المتاحة لتنويع الصادرات كثيرة لا يسع المجال لحصرها، وتنميتها وإصلاح الخلل البنيوي لهيكل الصادرات الليبي كي تساهم في تحقيق تنمية اقتصادية = أمور ممكنة، ولكن يشترط وجود إرادة حقيقية لدى الدولة وخطوات فورية من قبل صناع القرار في المدى القصير والمدى الإستراتيجي الطويل تهدف إلى تطبيق سياسات تجارية واقتصادية تشجع المنتجات المحلية وتعطيها فرصا منافسة في السوق الدولي، وإذا توفرت هذه الإرادة وأُتبعت بسياسات وخطط فعالة مستفيدة من تجارب دول مماثلة كتجربة عمان في مجال القطاع البحري، ستتحقق على المدى القريب والبعيد فرص نمو اقتصادي وتنمية مستدامة تُخرج الاقتصاد من فخ الارتهان الكلي للقطاع النفطي.



