Skip to main content

يشهد الاقتصاد الليبي تصاعداً في الضغوط المالية والنقدية نتيجة تراكم اختلالات هيكلية وسياسية، أبرزها الانقسام المؤسسي وغياب ميزانية موحّدة، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام وإخفاق الحكومات في الغرب والشرق على ضبط الإنفاق. وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع النقد الأجنبي ضغوطاً شديدة مع ازدياد عجز ميزان المدفوعات وتراجع الإيرادات النفطية بفعل انخفاض الأسعار العالمية، وهو ما عزز الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار.

وفي ضوء هذا المشهد المعقد، جاءت اجتماعات فريق صندوق النقد الدولي مع السلطات الليبية في نوفمبر 2025 لتؤكد ضرورة تبني ميزانية موحدة كخطوة أولى نحو استعادة الانضباط المالي وتعزيز أدوات الرقابة والشفافية في الإنفاق العام، وفي السياق ذاته، مثل الاتفاق الذي جرى بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتوحيد ميزانية التنمية تحت إشراف المصرف المركزي تطوراً باتجاه توحيد قنوات الإنفاق، رغم أن نجاحه لا يزال مرهوناً بمدى التزام الأطراف المتنازعة به.

البعض تفاءل بالاتفاق واعتبره خطوة للتقدم بثبات على مسار مواجهة الهدر في الانفاق العام، وفرصة لإعادة ضبط مسار الاقتصاد الوطني، فيما رأى البعض أن الأزمة أكبر من مجرد اتفاق لا ضمانات لنجاحه والبناء عليه، وان المخاطر كبيرة بسبب تواصل الانقسامات وتجذرها.

أولاً: تفاقم الدين والعجز المالي

أدى التوسع المستمر في الإنفاق العام وغياب إطار مالي موحد يضبط أولويات الصرف إلى استنزاف الاحتياطيات وتفاقم الدين العام في ليبيا، حيث بلغ نحو 284 مليار دينار حتى مايو 2025 وفقًا لمصرف ليبيا المركزي، ما يمثل أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بحوالي 70% في عام 2022، حسب البنك الدولي. ومن المتوقع أن يصل الدين إلى 330 مليار دينار بحلول نهاية العام، كما جاء في بيانات المصرف المركزي، وذلك إذا استمر النهج الحالي في الإنفاق العام. وفي سبيل الوفاء بأعباء الدين العام، فقد قام مصرف ليبيا المركزي بتمويل جزء من هذا الدين من احتياطاته ما يفرض مخاطر كبيرة على سعر الصرف وعلى الاستقرار الكلي للاقتصاد.

وقد تعمقت أزمة الدين العام نتيجة الإنفاق المزدوج بين حكومتي الغرب الشرق، بالإضافة إلى الإنفاق خارج الموازنة الرسمية. فتشير التقديرات إلى أن الحكومة الموازية في الشرق قد أنفقت نحو 60 مليار دينار خلال عام 2024 دون إدراج هذه النفقات في البيانات المالية الرسمية، بينما ساهم توقف بعض الحقول النفطية نتيجة النزاع في تحويل توقعات الفائض المالي إلى عجز كبير، مما زاد الضغوط على المالية العامة.

وعلى صعيد النقد الأجنبي، سجل المصرف المركزي عجزاً يقارب 6.7 مليار دولار حتى نهاية أكتوبر 2025، وتم تمويل جزء من هذا العجز عبر عوائد الاستثمارات في الودائع والسندات والذهب، وهو حل محدود الفاعلية. وأسهمت هذه الضغوط في اتساع فجوة سعر الصرف بين السوق الرسمية، حيث بلغ سعر الدولار 5.42 دينار في السوق الرسمية، ووصل في السوق الموازية إلى 7.79 دينار بفارق 44%. وتعكس هذه الفجوة اختلال العرض والطلب وهيمنة الإنفاق الموازي والتمويل بالدين، وقد انعكس هذا الوضع سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.

ومنذ تم فرض ضريبة على بيع العملات الأجنبية- إضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي- ارتفع الطلب على النقد الأجنبي، ما عمق الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، رغم تقلص الفجوة جزئياً عقب خفض الضريبة من 20% إلى 15%. ومع ذلك، يظل سوق النقد الأجنبي في ليبيا يشهد تقلبات حادة تعكس هشاشة النظام المالي واستمرار المخاطر الاقتصادية، حسب عديد الخبراء وأهل الاختصاص. وخلال النصف الثاني من عام 2025 شهدت أسعار النفط تراجعاً كبيراً ما دون 60 دولارًا للبرميل وهو ما سيزيد من العجز المالي ويضاعف الضغوط على سعر الصرف، ويؤدي إلى ارتفاع التضخم وتقليص الاستثمارات الحكومية في موازنة عام 2026، وقد ذكر محافظ المصرف المركزي أن الفجوة بين الإيرادات والنفقات بالدولار كبيرة، موضحا أن الإيراد الشهري يبلغ 1.5 مليار دولار فيما يبلغ الإنفاق ضعف هذا الرقم.

ثانياً: موازنة موحدة وتوحيد الإنفاق التنموي

منذ أكثر من عشر سنوات، لم يتم اعتماد موازنة موحدة وذلك في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي بين حكومتي الغرب والشرق؛ وقد انعكس هذا الوضع سلباً على كفاءة توزيع الموارد المالية وتنفيذ المشاريع التنموية، وتاريخياً مثل الإنفاق التنموي القناة الرئيسة لصرف مليارات الدولارات من عائدات النفط دون تحديد أولويات أو ضوابط للإنفاق ما فاقم من الدين العام، وهو ما يؤكده تقييم المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، في اتفاق مع تشخيص الخبراء المحليين.

وفي مواجهة الضغوط المالية والنقدية المتصاعدة، عقد صندوق النقد الدولي اجتماعات مع السلطات الليبية خلال الفترة من 10 إلى 14 نوفمبر 2025، وأكد صندوق النقد الدولي أن نمو الاقتصاد في عام 2025 مدفوعاً بزيادة إنتاج النفط، إلا أن تراجع أسعار النفط عالمياً واستمرار الإنفاق الحكومي المرتفع أبقيا العجزين المالي والحساب الجاري عند مستويات مرتفعة.

وأكد فريق صندوق النقد الدولي أن الانقسامات السياسية الممتدة ما تزال تمنع إقرار ميزانية موحدة، ما يؤدي إلى إنفاق غير مضبوط يضغط على سعر الصرف ويستنزف احتياطيات المصرف المركزي، رغم أنها ما تزال في مستوى مريح، كما أشار بيان خبراء الصندوق، إلى أن التضخم الرسمي يظل منخفضا، وهو خلاف لما تظهره التقاير المحلية، وأوضح الصندوق أن الآفاق الاقتصادية لليبيا محفوفة بدرجة عالية من عدم اليقين، وأن المخاطر تتجه نحو الجانب السلبي، خصوصاً مع احتمال استمرار الإنفاق غير المنضبط وتفاقم الانقسام السياسي.

وبالنظر إلى الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، أكد خبراء الصندوق على أهمية الاستثمار في قطاع النفط لضمان الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، إلى أن تتمكن البلاد من تنويع اقتصادها. علاوة على ذلك، فقد أكد خبراء البنك سابقاً على ضرورة إصلاح برامج الدعم، لا سيما دعم الطاقة الذي يمثل أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي ويستنزف الموارد العامة دون مردود اقتصادي واضح، إلى جانب تعزيز الرقابة والشفافية في الإنفاق، وتقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية للعملة، وتطوير البنية المالية الرقمية عبر توسيع خدمات الدفع الإلكترونية وتحقيق الشمول المالي.

وقد شهد يوم 18 نوفمبر 2025، خطوة سياسية مهمة تمثلت في توقيع اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتوحيد الإنفاق التنموي عبر برنامج موحد بإشراف المصرف المركزي. وجاء في بيان للمصرف أن الاتفاق “يضع إطاراً واضحاً لتوحيد قنوات الإنفاق، والصرف على مشروعات التنمية” ، ورغم محدودية أثر هذا الاتفاق على المدى القصير، فإنه يمثل محاولة لبناء إطار مؤسسي أكثر انتظامًا لقنوات الصرف، بما يعزز الشفافية ويمنع الازدواجية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الاتفاق يعتمد على التزام جميع الأطراف، وأن أي إنفاق خارج الميزانية يهدد فوراً استقرار سعر الصرف. وهناك اتفاق عام من أن غياب ميزانية موحدة لعام 2026 قد يعيد إنتاج الفوضى المالية ويزيد احتمالات الهدر خلال الفترة المقبلة.

ثالثاً: إصلاحات هيكلية لتعزيز الاستقرار المالي والنمو

ربما يمثل الاتفاق على توحيد الإنفاق التنموي ودعوة صندوق النقد الدولي لإقرار موازنة موحدة بارقتي آمل في سبيل وقف التدهور في مؤشرات الاقتصاد الكلي لاسيما الدين العام والعجز في الحسابين المالي والجاري، ويتطلب ذلك إصلاحات عاجلة، فإلى جانب اعتماد ميزانية موحدة، يحتاج الاقتصاد إلى تنفيذ عدداً من الإصلاحات الهيكلية لضمان استدامة المالية العامة وتحقيق نمو مستدام- والتي جاء بعضها ضمن توصيات بعثة صندوق النقد الدولي وتتمثل أبرز محاور الإصلاح فيما يلي:

  1.  تنويع الاقتصاد واستدامة مصادر الدخل

لازال القطاع النفطي يهيمن على مقدرات الاقتصاد الليبي ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع لعقود، فخلال العشر أشهر الأولى من عام 2025 وصلت الإيرادات النفطية إلى 86.6 مليار دينار أي نحو 84% من الإيرادات،  لذا فإن الاستثمار الكافي في البنية التحتية النفطية ضرورة للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، مع حاجة الاقتصاد إلى الخفض التدريجي لتقليل الاعتماد شبه الكامل على النفط عبر تطوير القطاعات غير النفطية- كالزراعة والصناعة والخدمات- بهدف تحسين استقرار الإيرادات والتخفيف من أثر تقلبات أسعار النفط في السوق العالمي.

  •  ضبط المالية العامة وإدارة الدين بكفاءة

يشمل ذلك وضع إطار متكامل لإدارة الدين العام مع جدول سداد واضح وضوابط للتمويل عبر الاحتياطيات، والاتفاق على سقف إنفاق مالي يحقق التوازن الداخلي والخارجي. كما يتطلب الأمر إصلاحات شاملة للإنفاق، وفي مقدمتها اعتماد منصة الدفع الفوري المركزي للأجور لتعزيز الشفافية وتقليل الفساد، لا سيما وأن بند المرتبات استحوذ وحده على نحو 58% من إجمالي النفقات حتى أكتوبر 2025، حسب بيان للمصرف المركزي بالخصوص، وتوجيه الاستثمارات عبر خطة متعددة السنوات قائمة على أولويات واضحة.

  •  تعزيز فعالية السياسة النقدية واستقلالية المصرف المركزي

يُعد الحفاظ على استقلالية المصرف المركزي ركيزة أساسية لضمان الاستقرار النقدي والمالي في ليبيا، إذ يمكن المصرف من إدارة الدين بكفاءة واحتواء الضغوط التضخمية بعيداً عن أي تدخلات سياسية، كما يُسهم الاستقلال المؤسسي في استعادة الثقة بالنظام المالي، وتعزيز تدفق النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي، والحد من نشاط السوق الموازية، إلى جانب تطوير أدوات السياسة النقدية عبر تحسين إدارة السيولة، وتفعيل استخدام أسعار الفائدة.

  • إصلاح الدعم وترسيخ الحوكمة والشفافية

ويتمثل ذلك في إعادة هيكلة منظومة الدعم- لاسيما دعم الوقود- لضمان توجيه الموارد بكفاءة مع حماية الفئات الأكثر احتياجاً، بالتوازي مع تحديث أنظمة الضرائب والجمارك، وتشديد الرقابة على الإنفاق والمشتريات العامة، والحد من الفساد المالي. ويُعد تعزيز الحوكمة ركيزة محورية لنجاح الإصلاحات المالية والنقدية واستعادة الاستقرار الاقتصادي.

ختاماً، يواجه الاقتصاد الوطني لحظة حاسمة، إذ بات توحيد الموازنة وضبط الإنفاق ضرورة لا خياراً، في ظل الضغوط المتصاعدة على المالية العامة وتراجع الإيرادات النفطية واتساع فجوة سعر الصرف. ويُعد الاتفاق الأخير بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن توحيد الإنفاق التنموي خطوة نحو بناء إطار مالي أكثر انضباطاً، غير أن فعاليته مرهونة بمدى التزام الأطراف بتنفيذه والامتناع عن الإنفاق الموازي، وهذا ما يزال محل شك. وتظل الحاجة مُلحة لاعتماد ميزانية موحدة تعيد ترتيب الأولويات وتضمن شفافية الصرف وقدرة الدولة على إدارة الدين المتنامي، كما يشكل تعزيز استقلالية المصرف المركزي وتطوير أدوات السياسة النقدية ركيزة لاحتواء الضغوط التضخمية واستعادة الثقة في النظام المالي. وفي المجمل، هناك  فرصة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب إنهاء الانقسام ووقف الصراع على الموارد وإرادة سياسية متماسكة وإصلاحات هيكلية جادة تضع الاستقرار المالي على رأس أولوياتها.