Skip to main content

تعيش ليبيا مرحلة دقيقة من تاريخها الحديث، تتسم بتشابك المعادلات الأمنية، وتداخل الصلاحيات، وتعدد مراكز القرار داخل مؤسسات الدولة. ويبرز المشهد الأمني في العاصمة طرابلس والمدن المجاورة كصورة مصغّرة عن هذا التعقيد، حيث تتقاطع الولاءات بين الأجهزة النظامية والتشكيلات المسلحة، في ظل غياب منظومة قيادة موحدة قادرة على فرض الانضباط، أو بناء سياسة أمنية وطنية متماسكة.

فمنذ عام 2021 “اتفاق جنيف”، ورغم تعدد المبادرات المحلية والدولية لإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري، لم تنجح السلطة التنفيذية في تجاوز حالة الانقسام المؤسسي، بين المجلس الرئاسي بصفته القائد الأعلى للجيش، وحكومة الوحدة الوطنية، التي يتولى رئيسها عبد الحميد الدبيبة حقيبة الدفاع. هذا التداخل في الاختصاصات أنتج بيئة أمنية هشة، يتقاسم السيطرة فيها فاعلون رسميون وغير رسميين، تتفاوت مصالحهم وأجنداتهم.

أصدر المجلس الرئاسي القرار رقم (34) لسنة 2025م، القاضي بتشكيل لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في العاصمة طرابلس، في ظل تقاطع الصلاحيات بين القائد الأعلى للجيش ممثلاً في المجلس الرئاسي مجتمعاً، وبين رئيس الحكومة الذي يشغل في الوقت نفسه منصب وزير الدفاع، ورئيس الأركان العامة، الأمر الذي انعكس على أداء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأضعف فاعلية القرار الموحد داخل المنظومة الدفاعية للدولة. فضلاً عن العجز عن صياغة أي استراتيجية وطنية لبناء المؤسسة العسكرية للدولة.

في ظل هذا الواقع، مثّل القرار محاولة لإعادة ضبط معادلة القوة داخل العاصمة، وتجنيبها جولة من الاشتباكات المفتوحة التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها، عبر محاولة إنشاء آلية تنفيذية ذات طابع مؤسسي يقودها المجلس الرئاسي، وتضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الردع والمنطقة العسكرية الساحل الغربي، بما يعكس توجهاً نحو توسيع قاعدة التنسيق الأمني بين الأجهزة النظامية المختلفة. يهدف القرار إلى إعداد وتنفيذ خطة شاملة للترتيبات الأمنية والعسكرية، تركز على إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة، وتمكين الأجهزة النظامية من ممارسة مهامها في بيئة آمنة ومنضبطة، بما يسهم في تعزيز سلطة الدولة وترسيخ سيادة القانون.

إلا أن نجاح هذا التوجه يواجه تحديات بنيوية، تتمثل في: ازدواجية القرار الأمني والعسكري بين المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة، وغياب إطار واضح لتوزيع الصلاحيات بين الطرفين فيما يتعلق بتعيين القيادات، وإدارة العمليات، وتوحيد مراكز القيادة والسيطرة. هذا التداخل في الاختصاصات يشكل عائقاً أمام بناء منظومة أمنية متماسكة، ويمنح الفاعلين المسلحين هامشاً للمناورة والاستفادة من التباينات السياسية القائمة.

من جهة أخرى، فإن توقيت القرار يحمل دلالات سياسية، إذ يعكس سعي المجلس الرئاسي لاستعادة زمام المبادرة الأمنية في العاصمة، في ظل تراجع التنسيق بين المؤسسات الرسمية، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة، التي باتت تمتلك مواردها الذاتية وقدراتها المستقلة. كما أن تضمين ممثلين عن أجهزة محددة “جهاز الردع” دون غيرها قد يثير حساسيات بين القوى الأمنية والعسكرية العاملة في طرابلس، ما لم يتم تدعيم القرار بآلية شاملة تضمن التمثيل المتوازن والمساءلة الواضحة.

في المحصلة، يشكل القرار خطوة رمزية مهمة في اتجاه إعادة هندسة المشهد الأمني في العاصمة، لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على جوهر الإشكالية الليبية، المتمثلة في غياب مرجعية قيادية موحدة للقطاعين الأمني والعسكري. ولعل المخرج الحقيقي يكمن في بلورة إطار وطني للتنسيق بين المجلس الرئاسي والحكومة، يحدد بوضوح حدود الصلاحيات والمسؤوليات، ويؤسس لمسار مؤسسي مستدام قادر على تحقيق أمن العاصمة كمدخل لبناء الأمن الوطني الليبي الشامل.

وقد شهدت العاصمة طرابلس خلال المدة الماضية، تحركات أمنية وسياسية من قبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، استهدفت بشكل أساسي إعادة ترتيب المشهد الأمني، وتقليص نفوذ جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، الذي يعد أحد أبرز الأجهزة المؤثرة في العاصمة، والتي اعتبرها معارضو الحكومة مساعي لتثبيت النفوذ وقطع الطريق على أي خطط للتغير الحكومي. ولكن هذا النشاط لم يُفضي إلى نتائج ملموسة نحو تقليص نفوذ وصلاحيات جهاز الردع، ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك هو الرفض الفاعل الاقليمي والدولي، خاصة “تركيا” لفكرة كسر توازن القوة لمصلحة أحد الفاعلين المسلحين بالعاصمة طرابلس؛ بسبب تداخل المصالح وتعقيدها.

وفي مدينة الزاوية، تتكرر الاشتباكات المسلحة بوتيرة لافتة، لتجعل من المدينة إحدى أكثر بؤر التوتر الأمني في الغرب الليبي. وقد اندلعت آخر المواجهات بين مجموعات محلية منضوية تحت مظلة أجهزة أمنية شكلية، على خلفية صراعات تتعلق بالنفوذ والسيطرة على طرق الإمداد والمرافق الحيوية؛ ما تسبب في حالة هلع بين المدنيين وسقوط ضحايا، وسط غياب أي تدخل حاسم من الأجهزة الأمنية الرسمية.

تُعد هذه الأحداث امتداداً لنمط متكرر من الاشتباكات الدورية في الزاوية، التي غالباً ما تنشب بسبب تضارب المصالح بين المجموعات المسلحة المتنافسة على الموارد والنشاط الاقتصادي غير المشروع، مثل: تهريب الوقود والبضائع والهجرة غير النظامية، وتعكس هذه الظاهرة عجز الدولة عن فرض سيطرتها على الأجهزة المحلية، حيث تعمل غالبية التشكيلات تحت مسميات أمنية، دون ارتباط فعلي بهيكل قيادي موحد.

ويبرز في هذا السياق أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة التزمت الصمت إزاء هذه المواجهات، في موقف فُسّر بأنه محاولة لتجنب الصدام مع قوى نافذة داخل المدينة، خصوصاً أن بعضها يتمتع بصلات وثيقة بأجهزة مركزية في طرابلس. هذا الصمت الرسمي يعكس عجز الحكومة عن ضبط الأمن من خلال فرض سلطة الدولة، ويعزز الانطباع بأنها ما زالت تتعامل مع ملف الزاوية بمنطق الاحتواء المؤقت وليس المعالجة الجذرية، وفي المحصلة، تُظهر أحداث الزاوية أن البيئة الأمنية في الغرب الليبي ما زالت رهينة لتوازنات التشكيلات المسلحة وتفاهماتها المصلحية، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض الانضباط أو تطبيق القانون، ما يجعل احتمالات تجدد المواجهات قائمة في أي لحظة، ويكرّس حالة “اللا استقرار المسيطر عليه” التي كانت ولا تزال سمة المشهد الأمني الراهن.

وكانت أبرز أهداف قرارات اللجنة المشكلة بالقرار (34):

  1. فصل مطار معيتيقة المدني عن قاعدته العسكرية: حيث أصدر الدبيبة قراراً بتشكيل لجنة برئاسة وكيل وزارة المواصلات لشؤون النقل الجوي، مهمتها إنشاء حاجز مادي وفاصل إداري بين المطار المدني والقاعدة العسكرية، التي اتخذها جهاز الردع مقراً رئيسياً له لسنوات، ومُنحت اللجنة مهلة أسبوع واحد فقط لإنجاز المهمة، في إشارة إلى إلحاح الملف.
  2. سحب ملف السجون من جهاز الردع: في خطوة بالغة الحساسية، شكل الدبيبة لجنة أخرى برئاسة مكتب النائب العام، مهمتها استلام السجون (مؤسسات الإصلاح والتأهيل) التابعة لجهاز الردع في قاعدة معيتيقة ومنطقة عين زارة، كما تتضمن مهام اللجنة حصر النزلاء وتصنيفهم قانونياً، مما يعني سحب واحدة من أهم أدوات النفوذ من جهاز الردع، وهي سلطة الاحتجاز والاعتقال التي لطالما أثارت انتقادات حقوقية.
  3. تفعيل تعيين رئيس جديد لجهاز الشرطة القضائية: في نفس الإطار، تسلم اللواء عبد الفتاح دبوب مهامه رسمياً كرئيس جديد لجهاز الشرطة القضائية، تنفيذاً لقرار سابق للدبيبة. وقد جاء هذا التعيين بعد أيام من التوتر والخلاف مع المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي حول صلاحية التعيين، حيث سرّب مكتب المنفي قراراً موازياً بتعيين آخر لنفس المنصب.

التحليل والتداعيات:

  1. إعادة رسم الخريطة الأمنية: تعكس هذه القرارات محاولة جادة من حكومة الدبيبة لفرض سيطرة الدولة الرسمية على المرافق الحيوية (كالمطار)، والملفات السيادية (كالسجون)، والحد من نفوذ الأجهزة الأمنية شبه المستقلة، وإعادة ضبط التوازنات بين مؤسسات الدولة.
  2. تعزيز شرعية الدبيبة: تمنح هذه الخطوات العملية الدبيبة مساحة لتعزيز شرعيته الداخلية والدولية، بتأكيده أنه الطرف القادر على اتخاذ وتنفيذ القرارات السيادية على الأرض، وإمساكه بزمام الملف الأمني الحساس في العاصمة.
  3. الصراع الخفي على الصلاحيات: كشفت الأزمة حول تعيين رئيس جهاز الشرطة القضائية عن صراع أوسع مع المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي حول تفسير الصلاحيات، حيث يرى الأخير أن المنصب يندرج تحت سلطته كقائد أعلى للجيش، بينما يتمسك الدبيبة بحق الحكومة في إدارة الملف.
  4. خلفية الوساطة التركية: تجري هذه الترتيبات في إطار التفاهمات الأمنية الجديدة المدعومة بوساطة تركية، والتي هدفت إلى خفض التصعيد بعد تحشيدات عسكرية مقلقة بين قوات موالية للحكومة وجهاز الردع وحلفائه، كانت تهدد بانزلاق طرابلس إلى مواجهات مسلحة جديدة.

وعلى المستوى السياسي الأوسع، تستمر الجهود الدولية والداخلية لدفع العملية السياسية، حيث بحثت رئيسة البعثة الأممية، هانا تيتيه، في موسكو مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، دعم خريطة الطريق الليبية الرامية إلى توحيد المؤسسات وتمهيد الطريق للانتخابات.

لازالت طرابلس تشهد في كل مرة فصلاً جديداً من الصراع على إدارة الملف الأمني، حيث تحاول حكومة الوحدة ترجمة وجودها على الأرض من خلال قرارات تستعيد بها السيطرة على مفاصل مهمة من العاصمة، فيما تتمترس الأجهزة ذات النفوذ في مواقعها. نجاح هذه الإجراءات أو فشلها سيرسم ملامح المرحلة القادمة، بين تعزيز لسلطة الدولة أو استمرار لتشرذمها.